مفاوضات ألمانية مع طالبان لترحيل المُدانين الأفغان
بهدف تنظيم عمليات ترحيل منتظمة للأفغان
- السيد التيجاني
- 28 سبتمبر، 2025
- تقارير
- ألمانيا, ترحيل الأفغان, طالبان, كابول
في تطور غير مسبوق، أعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت أن حكومته تعتزم بدء مفاوضات مباشرة مع حركة طالبان في العاصمة الأفغانية كابول،
بهدف تنظيم عمليات ترحيل منتظمة للأفغان المدانين بجرائم في ألمانيا. هذا الإعلان جاء في مقابلة صحفية نشرتها صحيفة “بيلد آم زونتاغ”، وتضمن تأكيدًا على إرسال وفد رسمي من وزارة الداخلية إلى كابول في أكتوبر المقبل.
لكن هذه الخطوة، رغم ما تحمله من أبعاد أمنية واضحة، فجرت جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا في الداخل الألماني.
حجة الحكومة: ضرورة أمنية لا تحتمل التأجيل
برر دوبرينت توجهه بالتأكيد على ضرورة تنفيذ عمليات الترحيل بشكل منتظم لضمان الأمن الداخلي، خاصة بالنسبة لمن وصفهم بـ”المجرمين والمهددين للأمن”.
وأضاف أن الحكومة لم تعد تستطيع غض الطرف عن وجود أشخاص مدانين في قضايا عنف وقتل وجرائم مخدرات داخل الأراضي الألمانية دون تحرك فعّال.
وتقول وزارة الداخلية إن غياب التعاون مع سلطات الأمر الواقع في كابول يعطل تنفيذ قرارات ترحيل صادرة بحق مئات الأشخاص، وأن التفاهم مع طالبان لا يعني بالضرورة اعترافًا سياسيًا بها، بل “تواصلًا تقنيًا” لتنفيذ مهمات أمنية محددة.
في المقابل، قوبل هذا الإعلان بموجة انتقادات قوية، لا سيما من حزبي الخضر واليسار، وهما شريكان رئيسيان في الحكومة الألمانية السابقة، ومناصران بارزان لحقوق الإنسان.
قال مارسيل إمريش، المتحدث باسم حزب الخضر لشؤون السياسة الداخلية، إن دوبرينت “يمنح الشرعية لتنظيم إسلاموي متطرف” بمثل هذه الخطوة، واصفًا التفاوض مع طالبان بأنه “صفعة لكل من ناضل من أجل الديمقراطية في أفغانستان”.
أما كلار بونغر، نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب اليسار، فرأت أن التفاوض مع طالبان بمثابة “تسوية سياسية مع جماعة تمارس القمع، وتُتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية”.
منذ عودتها إلى الحكم في أغسطس 2021، تعاني طالبان من عزلة دبلوماسية شبه تامة، في ظل رفض غربي واسع للاعتراف بها، خاصة بعد تراجعها عن الوعود المتعلقة بحقوق المرأة، وعودة العقوبات الجسدية العلنية، والتضييق على الحريات الأساسية.
ورغم ذلك، فإن الدول الغربية، بما فيها ألمانيا، تجد نفسها أمام واقع معقد: الحاجة للتعامل مع “سلطة الأمر الواقع” لتنفيذ سياسات داخلية، مثل الترحيل، أو تسهيل عمليات الإجلاء والمساعدات.
هل هو اتفاق أمني أم صفقة سياسية؟
يرى بعض المحللين أن الخطوة الألمانية تعكس تحولًا براغماتيًا في السياسة الأوروبية تجاه طالبان، مدفوعًا بواقع أمني ضاغط، ورفض شعبي متزايد لبقاء مدانين بجرائم عنف داخل المجتمع الألماني.
لكن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تساؤلات صعبة:
إلى أي مدى يمكن فصل التعاون الأمني عن الاعتراف السياسي؟
وهل يمثل التفاوض مع طالبان تنازلًا عن المبادئ، أم خطوة ضرورية لضمان الأمن الداخلي؟
ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية إذا تعرض المُرحّلون لسوء معاملة أو تعذيب بعد عودتهم؟
عمليات ترحيل سابقة: قطر كوسيط
جدير بالذكر أن ألمانيا نفذت سابقًا عمليتين للترحيل إلى أفغانستان، بوساطة قطرية. ففي أغسطس 2024، رُحل 28 شخصًا مدانين بجرائم جنائية، وفي يوليو 2025، تم ترحيل 81 رجلًا مدانين بجرائم قتل واعتداءات جنسية ومخدرات.
لكن هذه العمليات تمت بصمت دبلوماسي نسبي، وبدون الإعلان عن تفاهم مباشر مع طالبان، ما يجعل إعلان دوبرينت الأخير نقلة سياسية مثيرة للجدل.
في الميزان: أمن الدولة أم سمعة الديمقراطية؟
ما بين السعي لحماية المجتمع من مجرمين مدانين، والتحذير من التطبيع مع سلطة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة، تجد ألمانيا نفسها في مفترق طرق حساس.
هل تنجح برلين في الموازنة بين المبادئ والقوانين؟ أم أن هذه الخطوة ستترك ندوبًا طويلة في سجلها الحقوقي والسياسي؟
يبقى الأمر مرهونًا بكيفية إدارة هذه المفاوضات، وما إذا كانت ستُرافقها ضمانات دولية تحمي المرحلين من سوء المعاملة، وتؤطر العلاقة مع طالبان ضمن حدود واضحة، لا تمس بمكانة ألمانيا كدولة ديمقراطية تُفاخر بدفاعها عن حقوق الإنسان.