مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.. ما مستقبل المشروعات الصغيرة؟

الفائدة المرتفعة وازمة التمويل تضغطان على القطاع الأكثر توظيفًا

لطالما وُصفت المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأنها “العمود الفقري” للاقتصاد العالمي، فهي تمثل الغالبية العظمى من الشركات، وتوفر ملايين فرص العمل، وتسهم في تعزيز الابتكار وتحريك عجلة الإنتاج، لكن هذه الشركات، التي اعتادت مواجهة تحديات المنافسة وتقلبات الأسواق، تجد نفسها اليوم أمام اختبار أكثر صعوبة، وهو الارتفاع غير المسبوق في تكلفة التمويل.

فبعد سنوات من أسعار الفائدة المنخفضة، دفعت موجة “التضخم” التي اجتاحت العالم “البنوك المركزية” إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، ما أدى إلى “ارتفاع تكلفة الاقتراض” و”تراجع شهية البنوك للإقراض”، خاصة للمشروعات الصغيرة التي تُعد أكثر عرضة للمخاطر، وبينما تنجح الشركات الكبرى في الحصول على التمويل من أسواق المال أو من خلال احتياطاتها النقدية، تجد آلاف الشركات الصغيرة نفسها أمام معادلة صعبة.. هل تستمر في الاستثمار بتكلفة مرتفعة، أم تؤجل خطط التوسع حفاظًا على بقائها؟

المشروعات الصغيرة..القلب النابض للاقتصاد..

لا تقتصر أهمية (المشروعات الصغيرة والمتوسطة) على عددها الكبير، بل تمتد إلى دورها المحوري في دعم الاقتصادات الوطنية، وبحسب “البنك الدولي”، تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة نحو (90%) من إجمالي الشركات حول العالم، كما توفر أكثر من (50%) من فرص العمل عالميًا، وتُسهم بما يصل إلى (40%) من “الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الناشئة”، ما يجعلها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي.

كما يشير “البنك” إلى أن هذا القطاع مسؤول عن خلق نحو (سبع من كل عشر وظائف جديدة في الأسواق الناشئة)، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بدعمه، وفي السياق ذاته.. ترى “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، أن هذه الشركات تتمتع بمرونة أكبر في الابتكار والاستجابة لتغيرات السوق مقارنة بالشركات الكبرى، لكنها في المقابل، أكثر حساسية لارتفاع تكاليف التمويل وتشديد شروط الإقراض، نظرًا لاعتمادها بدرجة أكبر على (القروض المصرفية لتمويل عملياتها)، ولهذا.. فإن أي تشديد في السياسة النقدية لا ينعكس فقط على أرباح هذه الشركات، بل يمتد إلى (معدلات التوظيف والاستثمار والإنتاج)، بما يجعل أداء هذا القطاع مؤشرًا مهمًا على صحة الاقتصاد ككل.

عندما يصبح التمويل عبئًا بدلًا من فرصة..

منذ أن بدأت البنوك المركزية الكبرى (رفع أسعار الفائدة) لمواجهة “التضخم”، تغيرت (بيئة التمويل جذريًا)، ويشير “صندوق النقد الدولي” (IMF)، إلى أن استمرار “أسعار الفائدة المرتفعة”، يزيد من “تكلفة خدمة الديون” على الشركات، و”يضعف قدرتها على التوسع والاستثمار”، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل المعدات أو التوسع في الإنتاج، كما يؤكد “بنك التسويات الدولية”، أن (الشركات الصغيرة) تُعد الأكثر تأثرًا بدورات التشديد النقدي، لأنها غالبًا ما تواجه “أسعار فائدة” أعلى من الشركات الكبرى، إضافة إلى محدودية الضمانات التي تمكنها من الحصول على التمويل بشروط ميسرة.

ولا تقتصر المشكلة على “ارتفاع تكلفة الاقتراض”، بل تمتد إلى تشدد البنوك في منح “الائتمان”، حيث أصبحت المؤسسات المالية أكثر حرصًا على تقييم المخاطر، ما أدى إلى تراجع الموافقات على القروض، خاصة للشركات الناشئة أو تلك التي لا تمتلك سجلات مالية طويلة، وفي المقابل.. تلجأ بعض الشركات إلى تقليص العمالة، أو تأجيل خطط التوسع، أو خفض الإنفاق على الابتكار والتكنولوجيا، وهي قرارات قد تحسن السيولة على المدى القصير، لكنها تضعف القدرة التنافسية مستقبلًا.

مستقبل القطاع..بين الابتكار والدعم الحكومي..

رغم التحديات، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل، فالأزمات المالية السابقة أظهرت أن المشروعات الصغيرة قادرة على التكيف عندما تتوافر بيئة داعمة، وبحسب “مؤسسة التمويل الدولية”، فإن توسيع الوصول إلى “التمويل الرقمي”، وهو مجموعة من الحلول المالية المعتمدة على التكنولوجيا، مثل “الإقراض الإلكتروني” الذي يتيح للشركات الحصول على التمويل عبر المنصات الرقمية بسرعة وإجراءات أقل، إلى جانب “تمويل سلاسل الإمداد”، وهو آلية توفر سيولة للموردين قبل موعد استحقاق مستحقاتهم، بما يساعد المشروعات الصغيرة على مواصلة الإنتاج، و”رأس المال المُخاطر” أو “رأس المال الجريء”، وهو تمويل تقدمه صناديق استثمار ومستثمرون للشركات الناشئة والمشروعات الواعدة مقابل حصة في ملكيتها، يمكن أن يقلل من اعتماد الشركات الصغيرة على القروض المصرفية التقليدية.

كما يرى “البنك الدولي” أن تحسين البيئة التنظيمية، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتوسيع (برامج ضمان القروض)، يمثل عوامل حاسمة في زيادة قدرة هذا القطاع على الصمود أمام ارتفاع “أسعار الفائدة”، وفي العديد من الدول، بدأت الحكومات بالفعل في إطلاق برامج لدعم الشركات الصغيرة، سواء عبر تحمل جزء من “تكلفة التمويل”، أو “تقديم حوافز ضريبية”، أو إنشاء “صناديق تمويل مخصصة للمشروعات الناشئة”، إدراكًا منها أن انهيار هذا القطاع ستكون له انعكاسات مباشرة على معدلات البطالة، والنمو، والاستقرار الاجتماعي، ويرى خبراء الاقتصاد أن مستقبل المشروعات الصغيرة لن يعتمد فقط على اتجاهات “أسعار الفائدة”، بل أيضًا على قدرتها على تبني “التحول الرقمي”، و”تنويع مصادر التمويل”، و”رفع كفاءة الإدارة”، بما يجعلها أقل عرضة للصدمات المالية.

اترك تعليقا