معركة مصيرية في البرازيل.. مخاوف على الفقراء وفلسطين من عودة اليمين
انتخابات البرازيل تهدد بإعادة رسم التحالفات وموازين النفوذ في أمريكا اللاتينية
- محمود الشاذلي
- 12 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- البرازيل, النفوذ في أمريكا اللاتينية, انتخابات البرازيل 2026, فلسطين
تدخل البرازيل مرحلة سياسية شديدة الحساسية مع تصاعد المنافسة بين الرئيس لولا دا سيلفا ومرشح اليمين فلافيو بولسونارو، وسط مخاوف من أن تؤدي عودة التيار اليميني إلى السلطة إلى تغييرات واسعة في السياسات الاجتماعية والعلاقات الخارجية، خصوصًا تجاه الولايات المتحدة والقضية الفلسطينية.
وتعكس التحركات الشعبية المؤيدة للرئيس لولا في ساو باولو ومدن أخرى حجم الاستقطاب الذي تشهده البلاد، بعدما أظهرت نتائج الجولة الأولى تقدم بولسونارو بفارق محدود، ما جعل جولة الإعادة المقررة في 25 أكتوبر محطة حاسمة لمستقبل أكبر دولة في أمريكا اللاتينية.
مظاهرات ساو باولو تعكس مخاوف من عودة اليمين
تحول شارع باوليستا الشهير في مدينة ساو باولو إلى ساحة للتعبير عن الانقسام السياسي، مع خروج حشود مؤيدة للرئيس لولا دا سيلفا، وسط هتافات رافضة لعودة التيار المرتبط بالرئيس السابق جايير بولسونارو إلى الحكم.
وتأتي هذه التحركات بعد حصول فلافيو بولسونارو على نحو 47.03% من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل 45.16% للرئيس الحالي، بفارق يقارب 1.9 نقطة مئوية.
ورغم ضيق الفارق، فإن النتائج أثارت قلقًا داخل الأوساط اليسارية والنقابية والاجتماعية، التي تخشى أن يؤدي انتقال السلطة إلى اليمين إلى إعادة رسم أولويات الدولة الاقتصادية والسياسية.
ولا تبدو المواجهة مجرد تنافس انتخابي بين مرشحين، بل تعكس صراعًا بين رؤيتين مختلفتين لدور الدولة في حماية الفئات الفقيرة، وطبيعة علاقاتها بالقوى الكبرى.
ملايين الفقراء أمام مستقبل غير محسوم
تتصدر البرامج الاجتماعية قائمة المخاوف لدى مؤيدي لولا، وفي مقدمتها برنامج «بولسا فاميليا» الذي يوفر مساعدات مالية للأسر محدودة الدخل، وبرنامج «مينها كازا مينها فيدا» المخصص للإسكان الاجتماعي.
كما يبرز نظام الرعاية الصحية العامة بوصفه أحد أهم الملفات التي تشغل المواطنين، نظرًا لدوره في توفير الخدمات الطبية لشرائح واسعة من المجتمع البرازيلي.
ويخشى أنصار الرئيس الحالي أن يؤدي صعود اليمين إلى تقليص الإنفاق على بعض هذه البرامج، أو إدخال تعديلات تحد من استفادة الفئات الأكثر احتياجًا منها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن إلغاء هذه البرامج بصورة كاملة يظل احتمالًا سياسيًا يحتاج إلى تعهدات أو قرارات واضحة، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة لفوز بولسونارو.
ترامب وبولسونارو.. تحالف يثير الجدل
يمثل التقارب السياسي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعائلة بولسونارو أحد أبرز العوامل المؤثرة في الجدل الانتخابي داخل البرازيل.
فقد ارتبط التيار اليميني البرازيلي خلال السنوات الماضية بعلاقات وثيقة مع القوى المحافظة في الولايات المتحدة، ما أثار تساؤلات بشأن مدى استقلال القرار البرازيلي إذا عاد هذا التيار إلى الرئاسة.
وتزداد حساسية الملف في ظل التوترات التجارية والرسوم الجمركية الأمريكية التي طالت صادرات برازيلية، وما صاحبها من خلافات سياسية بين برازيليا وواشنطن.
ويرى منتقدو بولسونارو أن التقارب المفرط مع الإدارة الأمريكية قد يضعف قدرة البرازيل على تبني مواقف مستقلة في الملفات الإقليمية والدولية، بينما يعتبر مؤيدوه أن تحسين العلاقات مع واشنطن قد يفتح فرصًا اقتصادية ودبلوماسية جديدة.
فلسطين قد تخسر صوتًا مؤثرًا في أمريكا اللاتينية
تكتسب الانتخابات البرازيلية أهمية خاصة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، في ضوء المواقف التي اتخذها الرئيس لولا دا سيلفا تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
فقد برزت البرازيل خلال رئاسته باعتبارها من الدول التي وجهت انتقادات قوية للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وطالبت بحماية المدنيين الفلسطينيين، ودافعت عن ضرورة احترام القانون الدولي.
وفي المقابل، ارتبط التيار السياسي الذي ينتمي إليه بولسونارو بمواقف أكثر تقاربًا مع إسرائيل، وهو ما يثير مخاوف من تراجع الحضور البرازيلي الداعم للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تبدل المواقف الدبلوماسية، إذ تمثل البرازيل قوة إقليمية ذات ثقل دولي، ويمكن أن يؤثر تغير سياستها الخارجية في موازين التصويت والتحالفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، ينظر مراقبون إلى نتيجة الانتخابات باعتبارها اختبارًا لاستمرار أحد الأصوات البارزة التي انتقدت العدوان الإسرائيلي ودافعت عن حقوق الشعب الفلسطيني.
هل تتراجع البرازيل عن دورها في مجموعة بريكس؟
لا تقل التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المحتملة أهمية عن الملفات الداخلية، خاصة أن البرازيل تمثل أحد الأعضاء المؤسسين لمجموعة «بريكس»، التي تضم قوى اقتصادية صاعدة وتسعى إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي.
وخلال حكم لولا، اتجهت برازيليا إلى توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا، إلى جانب الحفاظ على قنوات التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا.
ويثير احتمال وصول إدارة يمينية أكثر قربًا من واشنطن تساؤلات بشأن مستقبل هذه التوازنات، ومدى استمرار البرازيل في دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز استقلال الاقتصادات الناشئة.
غير أن المصالح التجارية الواسعة، خصوصًا مع الصين، قد تحد من قدرة أي إدارة جديدة على إجراء تحول جذري في علاقات البرازيل الدولية.
أمريكا اللاتينية بين الاستقلال والهيمنة
تأتي الانتخابات البرازيلية وسط تحولات سياسية متلاحقة في أمريكا اللاتينية، حيث تتنافس قوى اليمين واليسار على رسم مستقبل المنطقة وعلاقاتها بالولايات المتحدة.
وتحظى البرازيل بمكانة محورية في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب حجم اقتصادها وعدد سكانها، وإنما أيضًا نتيجة دورها التاريخي في دعم التعاون الإقليمي والدفاع عن مصالح الدول النامية.
ويرى منتقدو التوسع الأمريكي أن صعود الحكومات الأكثر تقاربًا مع واشنطن قد يمنح الولايات المتحدة نفوذًا إضافيًا في المنطقة، بينما يؤكد مؤيدو هذا التوجه أن الشراكة مع القوة الاقتصادية الأكبر عالميًا قد توفر فرصًا للاستثمار والتجارة.
وفي ظل هذه التباينات، تصبح الانتخابات البرازيلية جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل التوازنات السياسية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية.
البرازيل أمام اختيار يتجاوز الرئاسة
تكشف التطورات الأخيرة أن المخاوف داخل الشارع البرازيلي لا ترتبط فقط باحتمال خسارة لولا دا سيلفا منصبه، وإنما تمتد إلى مستقبل النموذج الاجتماعي الذي يدافع عنه، وموقع البلاد في النظام الدولي.
فبينما يسعى اليمين إلى استعادة السلطة وتغيير أولويات الحكم، يحاول لولا وحلفاؤه حشد الناخبين للدفاع عن السياسات الاجتماعية والحفاظ على استقلالية السياسة الخارجية.
وتبقى جولة الإعادة اختبارًا لقدرة الطرفين على استقطاب الناخبين المترددين، في ظل انقسام سياسي حاد قد تستمر آثاره بعد إعلان النتائج.
والسؤال الذي تطرحه هذه المواجهة لا يقتصر على هوية الرئيس المقبل، بل يمتد إلى ما إذا كانت البرازيل ستواصل الدفاع عن استقلال قرارها وحقوق الفئات الضعيفة والقضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، أم ستشهد تحولًا يعيد ترتيب موقعها ضمن موازين النفوذ الدولي.