مستقبل العلاقات الخليجية الأمريكية بعد الحرب

التداعيات الاقتصادية والأمنية على دول الخليج

في ظل تصعيد غير مسبوق يشهده الشرق الأوسط تواجه دول مجلس التعاون الخليجي اختبارا وجوديا لمصداقية التحالفات الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد سلسلة هجمات إيرانية استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في قطر والكويت والسعودية والإمارات مما أثار تساؤلات جوهرية حول قدرة الدفاعات الأمريكية على حماية حلفائها في المنطقة.

وقد تعرضت منشآت طاقة حيوية في قطر والكويت والسعودية والإمارات لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية أسفرت عن أضرار واضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية مما دفع إيران للتحذير من أنها ستدمر البنى التحتية لصناعة النفط والغاز في دول الخليج إذا تعرض قطاع الطاقة لديها للاعتداء مجددا.

عجز الدفاعات الأمريكية عن ردع الهجمات الإيرانية

رغم وجود شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة تشمل ما لا يقل عن 19 موقعا في البحرين والعراق والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات إلا أن هذه القواعد لم تمنع إيران من استهداف البنية التحتية الخليجية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة.

ويقول أحمد هلال الكاتب في صحيفة عربي21 إن القواعد العسكرية الأمريكية لا تعمل وفق منطق حماية الدول المضيفة فقط بل وفق استراتيجية تحقق مصالح واشنطن أولا مما يفسر عدم تحركها في بعض الحوادث المباشرة التي استهدفت دول الخليج.

وتشير تقارير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن القواعد الأمريكية التي كان يُعتقد أنها درع حماية لدول الخليج من التهديدات الخارجية تحولت اليوم إلى خريطة نار بيد إيران تستهدف بها العمق الخليجي.

وتؤكد الدكتورة أماني الطويل مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن وجود القواعد الغربية لم يعد يضمن حماية حقيقية لدول الخليج مما يفتح الباب أمام إعادة التفكير في أطر دفاعية أكثر انسجاماً مع طبيعة المنطقة.

قدرات إيران الصاروخية واستهداف البنية التحتية الخليجية

تمتلك إيران ترسانة صاروخية بالستية تتجاوز ثلاثة آلاف صاروخ بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر قادرة على الوصول إلى منشآت الطاقة في إسرائيل ودول الخليج بما في ذلك محطات التحلية ومصافي التكرير.

وقد برهنت إيران عملياً على قدراتها عندما استهدفت منشأة رأس لفان القطرية للغاز المسال وهي الأكبر في العالم مما أدى إلى توقف 17 بالمئة من طاقة التصدير القطرية.

كما ضربت مصافي نفط في الكويت والسعودية والإمارات في إطار حملة انتقامية شاملة استهدفت البنية التحتية للطاقة والمياه والمطارات.

ويقول ماكسيميليان هيس الزميل أول في معهد أبحاث السياسة الخارجية إن قطر تصدر نحو خمس الإنتاج العالمي من الغاز المسال ولا تملك بديلاً عن مضيق هرمز لتصديره مما يجعلها شديدة التأثر بأي تصعيد.

التداعيات الاقتصادية والأمنية على دول الخليج

تشير تقديرات بنك غولدمان ساكس إلى أن قطر والكويت قد تشهدان انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14 بالمئة إذا استمر الصراع حتى نهاية أبريل.

بينما يحذر مركز كابيتال إيكونوميكس من أن الضرر الدائم للبنية التحتية للطاقة قد يخفض الناتج الإقليمي بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمئة.

وعلى الصعيد الأمني أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى ضغوط تضخمية متزايدة. ففي الولايات المتحدة وصل متوسط سعر البنزين إلى 3.88 دولار للغالون بينما تضاعفت أسعار الغاز في أوروبا منذ بداية الأزمة.

وتواجه دول جنوب شرق آسيا مثل تايلاند والفلبين خطر استبعادها من أسواق الغاز العالمية بسبب ارتفاع الأسعار ما قد يدفعها إلى خفض الاستهلاك الصناعي أو التحول للفحم.

مخاوف خليجية من تراجع الالتزام الأمريكي

تتزايد المخاوف الخليجية من أن التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا وتراجع اعتماد واشنطن على موارد الطاقة الخليجية قد يقوض الضمانات الأمنية التقليدية.

ويقول عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث إن المشهد الإقليمي تحكمه حالة عدم يقين في القرار الأمريكي وهو ما يعقّد حسابات الحرب ويجعل مساراتها مفتوحة على احتمالات متعددة خاصة مع تباين التصريحات الصادرة عن واشنطن.

ويضيف أن الحديث الأمريكي عن السيطرة على مضيق هرمز أو جني عوائد منه لا يستند إلى أساس قانوني موضحا أن المضايق الدولية لا تخضع لرسوم سيادية باستثناء حالات محدودة مثل قناة السويس ومضيق بنما.

بدائل خليجية للأمن الإقليمي والاستقلال الاستراتيجي

في المقابل تطرح دول الخليج بدائل استراتيجية لتعزيز استقلالها الاقتصادي والأمني. فقد أعلنت الإمارات والسعودية عن خطط لجذب الاستثمارات العالمية وتنويع الشراكات التجارية مع دول آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتعمل قطر على صياغة قوانين جديدة تتعلق بالإفلاس والشراكات بين القطاعين العام والخاص لجذب الاستثمار الأجنبي بينما أعلنت سلطنة عمان خططها لتطبيق ضريبة على الدخل الشخصي عام 2028 كأول دولة في المنطقة لتنويع مصادر دخلها.

ويقول محللون في معهد السياسة الدولية إن ازدهار إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة ونمو الاقتصاد الصيني حوّل الطلب على الهيدروكربونات بعيداً عن الولايات المتحدة نحو آسيا حيث تجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأهم للدول الخليجية.

وتسعى دول الخليج إلى تفعيل بدائل إستراتيجية لتجاوز مضيق هرمز من بينها استخدام خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر والتي تتيح تصدير ملايين البراميل يوميا دون المرور بالمضيق إضافة إلى توسيع الاعتماد على الموانئ البديلة.

مواقف المسؤولين الإقليميين والدوليين

أصدرت دول الخليج بيانات مشتركة تؤكد فيها على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لكنها تشدد في الوقت نفسه على حقها في اتخاذ قرارات سيادية تخدم مصالحها الوطنية.

بينما دعا وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي باعتبارها ركائز جديدة للشراكة في القرن الحادي والعشرين.

من جهته دعا الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي من مجلس الأمن إلى إجراءات فورية لحماية الملاحة في مضيق هرمز محذرا من تداعيات الهجمات على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.

توقعات الخبراء ومراكز الأبحاث للمستقبل

يرى مركز الخليج للأبحاث أن دول الخليج بدأت في تنويع استثماراتها بعيداً عن الأصول والديون الأمريكية لصالح الاستثمارات العالمية في الموارد المعدنية الإستراتيجية والأمن الغذائي وفي دول ذات ثقل إقليمي مثل مصر وتركيا.

ويحذر فريدريك شنايدر الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية من أن السياسات المالية الأمريكية وتأثيراتها غير المباشرة على قيمة الدولار يتم استيرادها دون قصد إلى المنطقة مما ينعكس على العملات المرتبطة به ويؤثر على القوة الشرائية المحلية.

وتؤكد ماريا شاجينا الخبيرة في الشؤون الروسية أن الصراع يبرز معضلة العقوبات الثلاثية المتمثلة في معاقبة ثلاثة منتجين رئيسيين للنفط هم إيران وروسيا وفنزويلا في وقت واحد خلال صدمة طاقوية مما يشكل مقامرة متقلبة.

الخلاصة والمسار المرجح

يجمع محللون في مركز كولومبيا لسياسة الطاقة ومعهد أبحاث السياسة الخارجية على أن التحول في العلاقة الخليجية الأمريكية يمثل نقطة تحول تاريخية قد تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.

وتؤكد آن صوفي كوربو الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمي أن أسوأ سيناريو يتمثل في استمرار التوترات مما قد يؤدي إلى انقسامات في التحالفات الإقليمية وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي الوقت نفسه يرى خبراء أن الحل الدبلوماسي والحوار الاستراتيجي يبقى الخيار الأمثل لتجنب أي تصعيد غير محسوب. ويشدد غريغ بولوك على أن أفضل ما يمكن أن تفعله جميع الأطراف الآن هو تبني رؤية مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل قبل أن تتسع الفجوة إلى هوة لا يمكن ردمها.

المصادر المعتمدة في هذا التقرير تشمل تصريحات مسؤولين خليجيين وأمريكيين وإيرانيين وتحليلات من مركز سياسة الطاقة العالمي بجامعة كولومبيا ومعهد أبحاث السياسة الخارجية ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولي ومركز الخليج للأبحاث وتقارير وكالة رويترز وبلومبرغ ووكالة الطاقة الدولية وصحيفة سكاي نيوز عربية والجزيرة نت.