مدارس بلا جدران وأطفال بلا مستقبل مأساة التعليم في اليمن

وسط جهود على حافة الأمل

تحت خيمة ممزقة تتمايل مع الرياح، يجلس أطفال يمنيون على مقاعد خشنة ويتعلمون أبجديات اللغة العربية. لا كتب كافية، ولا جدران تقيهم، ومع ذلك يعتبر هؤلاء الصغار أنفسهم محظوظين لمجرد وجودهم في “مكان يشبه المدرسة”. سنوات الحرب دمرت قرابة ثلاثة آلاف مدرسة، تاركة جيلاً كاملًا يكبر في بلد بلا بنية تعليمية حقيقية.

في مدرسة الرباط الغربي قرب عدن، تكشف التفاصيل حجم المأساة. الكهرباء مقطوعة، المياه غائبة، والطلاب مكتظون إلى حد أن الفصل الواحد يتجاوز مئة طفل. تجلس المعلمة سعاد صالح وسط هذا الزحام وتحاول ضبط الفوضى قبل بدء الدرس. تقول: “مع هذا العدد، لا يستطيع معظمهم القراءة أو الكتابة. فقط تهدئتهم تستغرق عشر دقائق”.

أعباء المعلمين: مهنة بلا مقابل

لا يقتصر الانهيار على المباني، بل يضرب قلب العملية التعليمية: المعلم.

الرواتب ضئيلة، ولا تتجاوز خمسين ألف ريال يمني—ما يعادل ثلاثين دولارًا فقط. كثيرون استقالوا، وآخرون بقوا بدافع الواجب لا الأجر.

يقول نائب مدير المدرسة، محمد المرداحي: “لا توجد فصول مناسبة، ولا كهرباء، ولا مياه. والأسوأ من ذلك، لا يوجد معلمون يكفي عددهم”.

هذا الوضع يمتد كذلك إلى مناطق الحوثيين، حيث تتحدث مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن معلمين يعملون بلا رواتب لشهور طويلة، واصفة ذلك بأنه “انتهاك يضرب أساس العملية التعليمية”.

منظمات حقوق الإنسان ترى أن بقاء النظام التعليمي على هذا النحو يفتح الباب أمام تجنيد الأطفال، والعمالة المبكرة، وزواج القاصرات. وتضيف هيومن رايتس ووتش: “الأطراف المتحاربة لم تُظهر التزامًا حقيقيًا بحماية التعليم. المدارس تُستهدف، وتُستخدم للأغراض العسكرية، ويُحرم الأطفال من حقهم الأساسي”.

الأمم المتحدة والمانحون: جهود على حافة الأمل

رغم الظلام، تبرز محاولات خجولة للترميم.

تشير تقارير اليونيسف إلى حرمان أكثر من 4.5 مليون طفل من التعليم، وتصف وضع اليمن بأنه “أحد أسوأ الأزمات التعليمية في العالم”.

أما اليونسكو فتستخدم لغة أكثر حدة، معتبرة أن التعليم في اليمن يشهد “انهيارًا شاملًا يستلزم إعادة بناء جذرية”.

بفضل دعم المانحين، تمت إعادة تأهيل أكثر من ثلاثين مدرسة، وتدريب نحو 150 معلمة.

أحد الأمثلة المشرقة هي مدرسة الحرم الجامعي في عدن.

هنا تبدو الفصول نظيفة، والمقاعد مرتبة، والطلاب يرتدون زيًا مدرسيًا أنيقًا. تقول المديرة فتحية العفيفي: “كان الأطفال يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدارس. الآن لديهم مكان مناسب، لكن الطريق لا يزال طويلًا”.

مع ذلك، تؤكد الأمم المتحدة أن الجهود الحالية “غير كافية”.

وتشير في تقريرها السنوي إلى أن “انهيار التعليم في اليمن كارثي بكل المقاييس، ويهدد بجيل كامل غير قادر على القراءة والكتابة”.

طفولة معلّقة: مستقبل على المحك

في كل صباح، يحصل طلاب الرباط الغربي على بسكويت مدعّم من الأمم المتحدة، وهو أحيانًا وجبتهم الوحيدة.

يجلسون على الأرض، يفتحون دفاترهم البالية، ويحاولون تعلم ما استطاعوا. هذا المشهد يتكرر في آلاف المدارس عبر البلد، حيث يقاوم الأطفال حربًا لم يختاروها.

يقول الخبير اليمني في التنمية التربوية، الدكتور سامي الهمداني:“تدمير التعليم لا يعني فقط غياب المدارس، بل ضياع المهارات الأساسية لجيل كامل. النتيجة ستكون مجتمعًا أقل قدرة على الإنتاج، وأكثر عرضة للفقر والعنف”.

ويضيف: “إذا لم يُنقذ التعليم، فلن يكون هناك يمن يُعاد بناؤه” ورغم كل التحديات، ما زال الأطفال يتشبثون بمقاعدهم الخشنة وبالخيام الممزقة وبالمعلمين المنهكين.

يحملون دفاترهم إلى مدارس بلا كهرباء، ويكتبون مستقبلًا مضطربًا بخطوط مرتجفة.

لكن الحفاظ على حقهم في التعليم ليس رفاهية—بل ضرورة لإنقاذ بلد بأكمله.