مجلس ترامب.. سلام أم استسلام؟
بقلم: السيد التيجاني
- السيد التيجاني
- 27 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- الابتزاز الأخلاقي, ترامب, مجلس السلام
أنظر إلى ما يُسمّي «مجلس ترامب للسلام»، فأجد نفسي عاجزًا عن تصديق هذا القدر من التناقض بين الاسم والمضمون. سلام؟ أي سلام هذا الذي يُولد من فم رجل لا يرى في العالم إلا صفقات، ولا في الدول إلا أرقامًا على طاولة مساومات؟
منذ اللحظة الأولى، شعرت أن الأمر لا يتعلق بسلام حقيقي، بل بإعادة ترتيب النفوذ، وتوزيع الأدوار، وإجبار الضعفاء على القبول بما يُعرض عليهم تحت لافتة براقة. سلام يُراد به باطل، ويُسوّق له كأنه الفرصة الأخيرة، بينما هو في جوهره اختبار للطاعة لا للعدالة.
راقبت الدول التي هرولت نحو هذا المجلس، بعضها بدافع الخوف، وبعضها بدافع الطمع، وبعضها بدافع الوهم. هرولت وهي تظن أن الاقتراب من ترامب يعني الاقتراب من الحماية أو المكاسب. لم تسأل نفسها: ما ثمن هذا الاقتراب؟ ومن سيدفع الفاتورة في النهاية؟
أنا لا أرى في هذا المجلس إلا محاولة فجة للتحكم. ترامب لم يخفِ يومًا أنه يريد أن يحكم ويُحكم قبضته، أن يكون هو المرجع، وهو القاضي، وهو من يوزع صكوك الرضا والغضب. السلام، في قاموسه، ليس قيمة إنسانية، بل أداة ضغط، ووسيلة لإخضاع من لا يملك أوراق القوة.
حين يتحدث عن السلام، يتحدث من موقع الآمر لا الشريك. يطلب من الآخرين أن يتنازلوا، أن يصمتوا، أن ينسوا تاريخهم وحقوقهم، مقابل وعود فضفاضة وأحلام مصنوعة من دخان. سلامه لا يقوم على توازن، بل على كسر الإرادة، ثم مطالبة المكسورين بالشكر.
ما يؤلمني أكثر ليس خطاب ترامب نفسه، بل قابلية البعض لتصديقه. كيف تحولت الأكاذيب إلى أحلام؟ كيف صار الوهم مشروعًا سياسيًا؟ رأيت دولًا تتسابق لالتقاط الصور، لتوقيع البيانات، لتأكيد «الالتزام بالسلام»، وكأن السلام وثيقة تُوقّع، لا كرامة تُصان.
أنا أؤمن أن السلام الحقيقي لا يُفرض، ولا يُشترى، ولا يُدار بعقلية التاجر. السلام الحق يحتاج شجاعة أخلاقية، يحتاج اعترافًا بالظلم، وتصحيحًا للمسار، لا القفز فوق الجراح وكأنها لم تكن. أما ما طُرح في مجلس ترامب، فكان أقرب إلى صفقة إذعان، لا مصالحة.
في هذا المجلس، لم أسمع صوت الضحايا. لم أجد مكانًا للعدالة. كل ما رأيته هو لغة القوة: من معنا ومن ضدنا. من يربح ومن يخسر. هكذا تُختزل القضايا الكبرى في معادلات باردة، ويُطلب منا أن نصدق أن هذا هو «السلام الممكن».
أنا لا أرفض السلام، بل أرفض تزويره. أرفض أن يُطلب مني القبول باستسلام مُقنّع، فقط لأن البديل هو الفوضى. هذا الابتزاز الأخلاقي لم يعد مقنعًا. فالتاريخ علّمني أن السلام الذي يقوم على الظلم لا يدوم، وأن الاستقرار المصنوع بالقهر ينفجر عاجلًا أم آجلًا.
الدول التي هرولت اليوم، ستكتشف غدًا أن الأحلام التي وُعدت بها كانت مؤقتة، وأن الأكاذيب لا تصنع مستقبلًا. ترامب سيغادر المشهد يومًا ما، لكن آثار ما فُرض باسمه ستبقى. والسؤال الذي سيطارد الجميع: لماذا قبلنا؟ ولماذا سمّينا الاستسلام سلامًا؟
أنا أكتب هذا لأقول بوضوح: مجلس ترامب لم يكن مجلس سلام، بل مجلس نفوذ. لم يكن مشروع عدالة، بل مشروع سيطرة. والسلام الحقيقي، كما أفهمه، لا يولد في مثل هذه المجالس، بل يولد حين تملك الشعوب قرارها، وحين يُقال للباطل: هذا ليس سلامًا، مهما زيّنوه بالكلمات.