متى تظهر المراجعات؟ (مقال)

بعض الجماعات تتعامل مع النقد وكأنه جريمة مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى

محمد سعد الأزهري

في 3 يوليو 2013 وقعت لحظة حاسمة غيّرت ملامح مشهد ثورة يناير التي انطلقت عام 2011، ذلك المشهد الذي جمع تيارات وجماعات وأفرادًا ومناهج وأفكارًا شتى.

وانتهى الأمر إلى ما نعرفه جميعًا، وكل طرف – سواء كان فردًا أو تنظيمًا – يرى أن ما فعله كان هو الصواب!

 

لكن الحق لا يتعدد، بل هو واحد في كل زمان ومكان، قال الله تعالى:

{فماذا بعد الحق إلا الضلال}.

واليوم، بعد مرور اثني عشر عامًا على ذلك المشهد وما تبعه من اختيارات، لم نسمع عن مراجعات حقيقية (من التيار الإسلامي خصوصاً) لذلك الحدث بالذات، رغم ما ترتب عليه من أزمات وفجوات وانهيارات وتغيرات في مصر على وجه الخصوص.

 

بعض التيارات والجماعات (وكذلك الأفراد) تتعامل مع النقد وكأنه جريمة مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى. فكلما اقتربت من جدار المراجعة، رُفعت في وجهك لافتة: “ليس هذا وقته!”

 

💠إذا كانوا في المحنة: “لا تُضعف الصف، لا تهاجم الرموز، لا تُرضي الخصوم!”

 

💠وإذا انتصروا: “لا تنغّصوا فرحتنا! هذا وقت الشكر لا المحاسبة!”

 

💠وإذا انهزموا: “الآن؟! وقت الجرح والنكسة؟! أهذا وقت الشماتة؟!”

 

💠وإذا عادوا للميدان بعد غياب: “دعونا نلمّ الشمل ونتجاوز خلافات الماضي، لا تُفسدوا اللحظة!”

 

فمتى إذن؟!

النقد عندهم مؤجَّل في كل حال:

⬅️في القوة، حفاظًا على المكاسب.

⬅️في الضعف، حفاظًا على البقية.

⬅️في العودة، حفاظًا على الصورة.

 

وهكذا يُدفن النقد في تابوت “الظرف غير المناسب” حتى لا يُفتح أبدًا.

 

المشكلة في هذا النمط من التفكير:

1- يحوّل المراجعة إلى تهمة، لا أداة إصلاح، بينما القرآن يأمر بالمحاسبة قبل الحساب، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}.

 

2- يجعل اللحظة “المناسبة” وهمًا لا يأتي أبدًا، وكأن الغاية تعطيل النقد لا تأجيله.

 

3- يخلق “صنمًا فكريًا” يمنع المساس بالرموز أو مراجعة الأفكار، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”.

 

4- يترك الساحة للخصوم الذين لا يكفون عن النقد والتشريح ليل نهار.

 

فهل نترك لهم الميدان بحجة أن النقد “يشمتهم”؟!

بل العكس، النقد الداخلي الصادق أوضح دليل على حياة الفكرة وشجاعتها، واستحقاقها للثقة على الأقل بين أبنائها، وهو من تمام النصيحة التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: “الدين النصيحة”.

 

ومتى يكون النقد علامة وعي لا خيانة؟

💠 حين يكون علميًا لا انتقاميًا.

💠 متجردًا لا مدفوعًا بمصلحة.

💠 صادرًا من أبناء الصف لا من خصومه.

💠 هادئ العبارة، صادق الطرح.

💠 ناقدًا للفكرة لا شاتمًا للأشخاص.

 

حينها يصبح النقد علامة محبة ومسؤولية، لا رغبة في الهدم، ويكون طريقًا للبناء، لا سلاحًا للخصومة.

 

الخلاصة:

الوقت المناسب للنقد لا يُنتظر، بل يُصنع.

والتيارات التي لا تراجع نفسها في الهزيمة، ولا تسمح بنقدها في النصر، ستظل تعيد أخطاءها، لكن بشعارات أضخم وأثمان أكبر.

 

فالمؤمن مأمور بالمراجعة والمحاسبة في كل حين، لا في الأوقات التي يختارها هواه، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

 

فكن صوتًا عاقلًا في زحام العواطف، ولا تنتظر إذنًا ممن يخشون النظر في المرايا.

 

ملحوظة: المراجعات واجبة على الجميع، وليس المهم أن تكون على صواب وإنما التدليل عليه وعدم الوقوع في الخطايا أو تبريرها.

فالكبر مانعُ من المراجعة، والخوف من اللوم والشماتة يصنع مستقبلاً ليس لك ولمن خلفك، لأنك لم تأخذ بأسباب النجاة.

والله أعلم.