ما هي رسائل المناورات العسكرية التركية المصرية؟

شكلت مناورات "بحر الصداقة" نقطة تحول في العلاقات

تشكل المناورات البحرية “بحر الصداقة” بين مصر وتركيا، التي جرت في الفترة من 22 إلى 26 سبتمبر/أيلول الجاري في البحر الأبيض المتوسط، نقطة تحول في العلاقات بين هاتين القوتين الإقليميتين.

هذا هو أول تعاون عسكري رسمي بين القاهرة وأنقرة بعد عقد من العلاقات المتوترة وانعدام الثقة العميق، بدءًا من الإطاحة بالرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في عام 2013 وحتى عام 2023. والآن، لا تعد التدريبات البحرية والجوية المشتركة مجرد علامة على تحسن العلاقات، بل تحمل أيضًا رسائل جيوسياسية أوسع نطاقًا لشرق البحر الأبيض المتوسط ​​​​ومناطق غرب آسيا وشمال إفريقيا بأكملها.

تعود جذور الخلاف التركي المصري إلى أحداث عام ٢٠١٣ المضطربة، عندما أطاح الجيش المصري بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي، العضو في جماعة الإخوان المسلمين. كان مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًا، شخصيةً مقربةً من الحزب الحاكم في تركيا. كانت عواقب هذا الانقلاب سريعة: أعلنت مصر جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، وعُلّقت العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة. مهّد هذا الطريق لعقدٍ من العلاقات الباردة، اتسم بالخلافات العلنية، واستدعاء السفراء، وتضارب السياسات في بؤر إقليمية ساخنة مثل ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

ومع ذلك، تدفعهما الظروف الإقليمية الجديدة والضغوط الخارجية الآن نحو التعاون. فقد أوجدت حرب غزة، والضغوط الأمريكية والإسرائيلية على مصر لاستقبال اللاجئين في شبه جزيرة سيناء، وحاجة تركيا إلى تخفيف التوترات على حدودها، أساسًا جديدًا للتقارب بين البلدين.

في عام 2023، اتفق البلدان على استعادة العلاقات وإعادة فتح سفارتيهما. ومنذ ذلك الحين، انخرط البلدان في أنشطة دبلوماسية وتبادلا الزيارات بين مسؤوليهما.

في الصيف الماضي، زار السيسي أنقرة، حيث استقبله الرئيس رجب طيب أردوغان بحفاوة بالغة ــ وهو عمل بدا أمرا لا يمكن تصوره قبل بضع سنوات فقط.

تشير التقارير إلى أن تركيا اتخذت خطوات لمعالجة إحدى المظالم المصرية القديمة: وجود أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين على الأراضي التركية. وبينما لا تزال التفاصيل غامضة، يُعتقد أن أنقرة سلمت بعض الأعضاء سرًا إلى السلطات المصرية، مما أدى إلى زوال مصدر رئيسي للخلاف بين الحكومتين.

وفي هذا السياق، ترمز المناورات البحرية “بحر الصداقة” إلى هذا التحول الاستراتيجي: وهي علامة على استعداد القاهرة وأنقرة للانتقال من التنافسات المستنزفة إلى التعاون البراجماتي.

لكن ما هي أسباب هذه التطورات، وما هي عواقبها المحتملة على البنية الأمنية في شرق المتوسط؟ هل يعني هذا التقارب نهايةً نهائيةً للخلافات، أم أنه مجرد تكتيك مؤقت في ظلّ الأحداث الجارية؟

جوانب ورسائل التدريبات العسكرية

وتشير التقارير إلى أن المستوى العسكري للبلدين في هذه التدريبات مرتفع للغاية، حيث وصل إلى مستوى حليفين عسكريين مقربين.

ولذلك، ونظرا لسنوات التوتر والمصالح المتنافسة التي حددت العلاقات بين أنقرة والقاهرة طيلة معظم العقد الماضي، فإن أهمية هذا الحدث لإحياء التعاون الدبلوماسي والعسكري لا يمكن إنكارها.

وبحسب وزارة الدفاع التركية، فإن هذه التدريبات تمثل أول تعاون عسكري بين البلدين منذ 13 عاما.

من المتوقع أن تكون المناورات شاملة، تتضمن مزيجًا من المناورات البحرية والعمليات الجوية وتدريبات القيادة المشتركة. ستعمل الفرقاطات وزوارق الدوريات التركية جنبًا إلى جنب مع السفن البحرية المصرية، لتتدرب على جميع جوانب التدريب، من التحركات المنسقة إلى سيناريوهات القتال المحاكية. ويضيف وجود طائرات إف-16 المقاتلة بُعدًا جويًا للتدريبات، مما يدل على تزايد تعقيد القدرات العسكرية لكلا البلدين.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، إن أنقرة أرسلت مجموعة رائعة من الأصول البحرية والجوية إلى المنطقة، بما في ذلك الفرقاطات TCG Oruçreis وTCG Gediz، وقوارب الدورية السريعة TCG İmbat وTCG Bora، والغواصة TCG Gür، وطائرتان من طراز F-16.

وستشارك وحدات بحرية مصرية أيضًا في التدريبات، لتنضم إلى نظيرتها التركية في سلسلة من التدريبات المصممة لتعزيز التنسيق العملياتي والتشغيل البيني.

من بين المجالات التي اتفقت عليها الدولتان موقفهما من العمليات العسكرية والإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام الإسرائيلي في غزة. وقد اتخذت أنقرة والقاهرة مواقف حازمة ضد الصراع الدائر، وتتعاونان لضمان وقف إطلاق النار. ولم يقتصر هذا الموقف المشترك على توحيد جهودهما الدبلوماسية فحسب، بل وفّر أيضًا منصةً للعمل المشترك في المنطقة.

لذا، فهي أكثر من مجرد تدريبات عسكرية. إذ تُجرى بهدف “تعزيز العلاقات العسكرية والتعاون الإقليمي”، وهي تُشير إلى رغبة في تجاوز خلافات الماضي من أجل المصالح المشتركة.

نهاية النزاعات في شرق البحر الأبيض المتوسط؟

تُعدّ منطقة شرق المتوسط ​​إحدى نقاط الخلاف الاستراتيجية السابقة بين أنقرة والقاهرة، والتي قد تُختبر جدية تقاربهما. في الواقع، يبقى أن نرى ما إذا كان ميلهما للتقارب سيُغيّر موازين القوى والدبلوماسية في شرق المتوسط.

لقد أصبحت المناورات البحرية المشتركة الأخيرة، التي أقيمت في عام 2012، ذكرى بعيدة، حيث اتبعت الدولتان منذ ذلك الحين سياسات متباينة، وخاصة في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

لطالما كان شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بؤرةً للمطالبات المتنافسة والتحالفات المتنافسة. وقد هيأت النزاعات على الحدود البحرية وموارد الطاقة والنفوذ السياسي أرضيةً خصبة للمواجهات العسكرية بين مختلف الجهات الفاعلة المؤثرة في المنطقة. ومن المؤكد أن استئناف التدريبات المشتركة سيُضيف تعقيدات جديدة إلى مشهدٍ متقلبٍ أصلًا.

من جانبهم، راقب المسؤولون اليونانيون والقبارصة التقارب التركي المصري بمزيج من القلق والبراغماتية. ومن المرجح أن تستمر مناورات “ميدوسا” السنوية، التي تُجرى منذ عام ٢٠١٥ مع اليونان. ومع ذلك، فإن إضافة التعاون التركي المصري تُضيف عقدة جديدة إلى البنية الأمنية المعقدة في المنطقة.

يُعد توقيت تدريباتهم ذا أهمية بالغة، إذ يُجرى في ظل حالة من عدم الاستقرار المستمر في شرق البحر الأبيض المتوسط. لسنوات، دأبت اليونان ومصر وقبرص على إجراء مناوراتها السنوية “ميدوسا” – عادةً بين الإسكندرية وكريت – بهدف إظهار التعاون ووحدة الجبهة ضد تركيا. والآن، مع انطلاق المناورات التركية المصرية المشتركة، يبدو أن التوازن الإقليمي قد بدأ يتغير مرة أخرى.

يرى المراقبون أن المصالحة بين القاهرة وأنقرة تُمثل تحديًا وفرصة في آنٍ واحد لأثينا. فمن جهة، تُعقّد هذه المصالحة ديناميكيات التنافس اليوناني التركي الراسخة في شرق البحر الأبيض المتوسط، لا سيما على الحدود البحرية واستكشاف الطاقة. ومن جهة أخرى، تعكس هذه المصالحة الواقع الأوسع المتمثل في تحول التحالفات في المنطقة، حيث تُعيد الدول تقييم سياساتها الخارجية استجابةً للتهديدات والفرص المُتغيرة.

مع ذلك، تواصل مصر انتهاج سياسة التقارب مع أثينا أيضًا، سعيًا لضمان عدم تأثير انفراجها مع تركيا على علاقاتها الأوروبية. وعقب الإعلان عن المناورات، سارع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى الاتصال بنظيريه في أثينا ونيقوسيا لتقديم تطمينات.

أظهرت زيارة السيسي الرسمية إلى أثينا يوم الأربعاء، 7 مايو/أيار، بوضوح رغبة الحكومة المصرية القوية في توسيع العلاقات مع اليونان. ومثّلت دليلاً على أن أي تحول استراتيجي في علاقة مصر بتركيا لن يكون على حساب أثينا أو نيقوسيا، بل سيكون مدفوعاً بتطورات إقليمية أخرى.

في ظل هذه الظروف، يرى بعض المحللين أنه من السابق لأوانه إعلان نهاية الخلافات بين القاهرة وأنقرة. فلا تزال الخلافات العميقة قائمة، لا سيما فيما يتعلق بليبيا وغيرها من البؤر الساخنة التي لا تتوافق فيها المصالح التركية والمصرية دائمًا. ومع ذلك، فإن الرغبة في تنحية هذه الخلافات جانبًا – ولو مؤقتًا – تُشير إلى نهج عملي يُعطي الأولوية للاستقرار والمكاسب المشتركة على المظالم القديمة.

القلق الكبير لإسرائيل

ومن أهم الأولويات التي يمكن أن تحقق أكبر النتائج في التعاون التركي المصري مواجهة السياسات المزعزعة للاستقرار والعدوانية للنظام الإسرائيلي في فلسطين، وهو الأمر الذي يجعل المسؤولين الإسرائيليين قلقين للغاية بشأن التدريبات.

في 20 أبريل، انطلقت المناورات المشتركة واسعة النطاق “نسور الحضارة 2025” بين القوات المصرية والصينية، واستمرت لأكثر من أسبوعين. ووصفتها وسائل الإعلام الصينية بأنها “تاريخية” و”الأولى من نوعها”. وشاركت في المناورات، إلى جانب مقاتلات ميج-29 روسية الصنع التي تشغلها القوات الجوية المصرية، مقاتلات صينية من طراز J-10C عالية الكفاءة القتالية.

بالنسبة للقاهرة، تزامنت هذه التدريبات مع توترات بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب، حيث صعّدت إسرائيل ضغوطها على سكان قطاع غزة لتهجيرهم قسرًا، لا سيما باتجاه شبه جزيرة سيناء المصرية، وهي خطة تعارضها مصر بشدة وأعلنتها “خطًا أحمر”. حتى أن المصريين عززوا قواعدهم العسكرية ومنشآتهم وقواتهم في صحراء سيناء.

وأشار تقرير لموقع أكسيوس إلى أن تل أبيب تزعم أن مصر تقوم ببناء بنية تحتية عسكرية في شبه جزيرة سيناء، وهو ما يزعم أنه يتحايل على الأحكام الأمنية لاتفاقيات كامب ديفيد لعام 1979، وأن الضغط الأمريكي على القاهرة لوقف هذه الأنشطة ضروري.

يُشير النظام الإسرائيلي إلى تغييرات في البنية التحتية العسكرية المصرية، بما في ذلك توسيع مدارج القواعد الجوية لاستيعاب انتشار الطائرات المقاتلة، بالإضافة إلى بناء منشآت تحت الأرض في صحراء سيناء. ويزعم أن القاهرة ستُخصص هذه المنشآت لتخزين الصواريخ، مما يُشكل انتهاكًا خطيرًا لاتفاقيات كامب ديفيد ويُهدد التوازن الأمني.

تُنظّم اتفاقيات كامب ديفيد الوجود العسكري على جانبي الحدود. ورغم أن تل أبيب انتهكت بنود الاتفاقية بمهاجمتها معبر رفح الحدودي وإنشاء ممرات عسكرية جديدة في غزة، إلا أن الإسرائيليين يتهمون مصر الآن بذلك.

وقد أدت كل هذه التطورات إلى توتر العلاقات بين مصر وتحالف واشنطن وتل أبيب، وهو ما يفسر خطوات القاهرة تجاه أنقرة وبكين، والتي أدت إلى تصعيد التوترات مع النظام الإسرائيلي.

كلمات مفتاحية: