ما الذي جناه العرب من التطبيع؟

الحسين الدومي يكتب

منذ سنوات، تتسارع خطوات عدد من الأنظمة العربية نحو التطبيع العلني مع إسرائيل، متجاوزة عقودا من الشعارات التي كانت ترفع راية “القضية الفلسطينية” كأولوية أولى.

لكن مع مضي الوقت، يتبادر إلى الأذهان سؤال محوري: ماذا استفاد العرب حقا من هذا التطبيع؟

رُوج للتطبيع على أنه بوابة إلى “السلام”، و”الاستقرار”، و”التنمية”، بل إن بعض الأنظمة صورته وكأنه خلاص اقتصادي وسياسي من أزمات الداخل.

لكن الواقع سرعان ما عرّى تلك المزاعم؛ فلا تنمية تحققت، ولا أمن استتب، بل- على العكس- زادت الأزمات السياسية، وتعمقت الشروخ الاجتماعية، وارتفع منسوب الغضب الشعبي.

كيف يصمت العرب أو يتواطأ بعضهم، في حين تتحرك شعوب أوروبا وأميركا في تظاهرات عارمة مطالبة بوقف القتل ورفع الظلم؟

فلسطين.. القضية التي سُحبت من الواجهة

من المؤسف أن تُقصى القضية الفلسطينية من أولويات بعض الأنظمة، مع أنها القضية التي جمعت الأمة على مر التاريخ! هناك قواسم مشتركة لا يمكن إنكارها: الدين، واللغة، والعروبة.. كلها عناصر تجعل من فلسطين قضية لا تخص الفلسطينيين فقط، بل كل العرب والمسلمين.

اللافت أن الغرب، رغم تقاطعه الثقافي والسياسي مع إسرائيل، شهد مؤخرا مواقف شعبية ورسمية أكثر جرأة في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة. فكيف يصمت العرب أو يتواطأ بعضهم، في حين تتحرك شعوب أوروبا وأميركا في تظاهرات عارمة مطالبة بوقف القتل ورفع الظلم؟

أليس الأَولى أن يكون صوتنا أصدق وأقوى، لا سيما أننا من يحمل الهم الفلسطيني في وجداننا وتاريخنا؟

الوحدة المفقودة.. والشرذمة المكلفة

التمزق العربي، الذي يتجلى في التطبيع المتناثر، لا يخدم سوى طرف واحد: الاحتلال الإسرائيلي؛ فحين تتبعثر الصفوف، وتُقدّم العلاقات الثنائية مع إسرائيل على طبق من ولاءات آنية، يُفتح الباب واسعا أمام تصفية القضية وتكريس الاحتلال كأمر واقع.

هذا التفكيك السياسي غير المبرر لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد الأمن القومي العربي برمته؛ لأن الاحتلال لا يقف عند حدود فلسطين، بل يمتد تأثيره إلى عمق السيادة العربية، ويخلق اختراقات أمنية وثقافية قد لا تُرى في الحين، لكن آثارها قادمة لا محالة.

على الأنظمة أن تستمع إلى صوت شعوبها قبل أن تستمع إلى ضغوط الحلفاء أو إغراءات الصفقات؛ لأن فقدان الشعور الشعبي يعني تآكل الشرعية، وفقدان البوصلة الأخلاقي

الشعوب المقهورة.. آخر القلاع

رغم كل هذا الانهيار، تبقى الشعوب العربية هي الصامدة في وجه هذا المسار المريب.. من الرباط إلى صنعاء، ومن القاهرة إلى الجزائر، لم تتخلّ الشعوب عن فلسطين، ولم تنطلِ عليها شعارات “السلام الاقتصادي”؛ فلا تزال الجماهير تصرخ في وجه التطبيع، وتعتبره خيانة للقيم، وخروجا عن الإرادة الجمعية.

من هنا، فإن على الأنظمة أن تستمع إلى صوت شعوبها قبل أن تستمع إلى ضغوط الحلفاء أو إغراءات الصفقات؛ لأن فقدان الشعور الشعبي يعني تآكل الشرعية، وفقدان البوصلة الأخلاقية.

لن يكون هناك موضع للشرف في ميزان التاريخ، إن لم يكن للعرب موقف صلب يعيد الاعتبار لقضيتهم المركزية

الخلاص بالوحدة لا بالتبعية

لا خلاص للعرب إلا بالعودة إلى الوحدة الحقيقية، لا وحدة الشعارات الفارغة، بل وحدة تقوم على احترام إرادة الشعوب، ونصرة المظلوم، وحماية القيم والثوابت.. تلك هي الركائز التي يمكن أن تُصلح ما أفسدته العقود الماضية.

ولن يكون هناك موضع للشرف في ميزان التاريخ، إن لم يكن للعرب موقف صلب يعيد الاعتبار لقضيتهم المركزية، ويُخرجهم من منطق التبعية إلى منطق السيادة والكرامة.

# الحسين الدومي

كاتب مغربي

المصدر: الجزيرة