ماذا يحدث في سوريا ? (مقال)

لماذا قامت إسرائيل فجأة بهجوم محدود قرب دمشق

علي عبدالرازق

لماذا قامت إسرائيل فجأة بهجوم محدود على سوريا بالقرب من دمشق، رغم استمرار المفاوضات بين الطرفين؟

الأسباب تعود إلى اكتشاف قوات أحمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام السابقة والحاكم الحالي لسوريا، موقع تجسس إسرائيلي زُرع منذ حوالي عشر سنوات في منطقة الكسوة، ويحتوي على أجهزة تجسس متطورة ربما تم تجديدها حديثًا.

كشفت القوات السورية عن هذا الموقع أثناء عملياتها للسيطرة التدريجية على الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. هذا دفع إسرائيل لتنفيذ عملية إنزال جوي في 27-28 أغسطس 2025، بمشاركة أربع مروحيات وعشرات من جنود الكوماندوز الإسرائيليين، استهدفت ثكنة عسكرية قرب جبل المانع وريف دمشق، واستمرت لأكثر من ساعتين بهدف إنقاذ الأجهزة ونقلها، معتبرة ذلك ضروريًا لأمنها القومي.

بعد العثور على الموقع، بدأت قوات الشرع تفكيك الأجهزة. لكن إسرائيل اكتشفت ذلك وردت بسرعة واستهدفت المكان وأدى ذلك لسقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش السوري.

إسرائيل، التي تمتلك بنك أهداف شامل وتتصرف عادة من موقع القوة، رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا. و زعمت إسرائيل أن تركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، زرعت أجهزة تجسس لمراقبة التحركات الإسرائيلية في المنطقة.

ووجهت تحذيرًا لأحمد الشرع، معتبرة أن استمراره في التعاون مع الرؤية التركية يشكل “لعب بالنار” قد يهدد استقرار نظامها

من جانبها، أكدت الحكومة السورية بقيادة الشرع أنها نجحت في تدمير جزء كبير من الأجهزة قبل عملية الإنزال. هذه الأجهزة، التي لا تمتلكها سوى إسرائيل والولايات المتحدة، أثارت مخاوف إسرائيلية من انتقال التكنولوجيا إلى تركيا، التي قد تعمل على تقليدها أو تطويرها، مما يعزز من قدراتها العسكرية.

تزامنت هذه الأحداث مع تصاعد التوترات منذ الغزو الإسرائيلي “سهم باشان” في ديسمبر 2024، الذي استغل سقوط نظام الأسد للسيطرة على مناطق حدودية، بما في ذلك مرتفعات الجولان.

الغارات الإسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة، بدعوى حماية الأمن أو الدفاع عن الدروز، لكنها جرت في ظل مفاوضات أمنية بوساطة أمريكية في باريس، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراءها.

هل كانت التهديدات الأمريكية والإسرائيلية تؤثر على قادة هيئة تحرير الشام السابقين، مثل أبو محمد الجولاني والحكام الحاليين؟ يبدو أن أحمد الشرع ورجاله يلعبون “لعبة كسب الوقت”، حيث يتجنب الشرع التصعيد المبكر ويستغل الصمت لتعزيز قدراته العسكرية واللوجستية

انتقدت الجماهير العربية صمت الشرع أمام التجاوزات الإسرائيلية، لكنه يتبنى استراتيجية مختلفة، رافضًا التنازل عن أي شبر من الأراضي السورية أو قبول تقسيم البلاد.

يسعى لتأسيس نظام قوي يتجنب أخطاء الثورات الفاشلة، مثل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر (2012-2013) التي سقطت بسرعة أمام الجيش المصري بدعم غربي.

يعزز الشرع قواته يوميًا، مدعومًا بالدعم التركي، ويستثمر كل يوم سلام لتطوير مراكز قيادة سرية محمية وطائرات مسيرة. هذا الاستعداد يقلق إسرائيل، التي ترى فيه تهديدًا متزايدًا، خاصة مع اقتراب التعاون بين سوريا وتركيا إلى دفاع عام مشتركة

تركيا، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في 2023 وقطعتها كاملة هذه الأيام، ودعمت الشرع منذ بداية صعود هيئة تحرير الشام، قد تكون طرفًا فاعلًا في أي مواجهة مستقبلية، مما قد يغير خريطة الشرق الأوسط.

المواجهة تبدو مصيرية لكل من إسرائيل، سوريا، وتركيا.

لن تستطيع إسرائيل إعلان حرب كبرى ضد سوريا لإسقاط نظام الشرع إلا بموافقة مشتركة من الرئيس الأمريكي والبنتاجون، أو قد يقرر بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، المخاطرة لتعزيز مركزه السياسي وخروجه من أزمة غزة.

هذه المرة، الوضع مختلف، فهيئة تحرير الشام، بقيادة الشرع، ليست حركة عشوائية، بل جماعة جهادية مدربة وشجاعة، تضم مئات الآلاف من المنتسبين الذين لا يخشون الموت، مما يشكل رعبًا لإسرائيل وأعدائها.

الشكل الحالي لسوريا لا يعكس حقيقتها، فهي تستعد بسرية لمستقبل قريب. الشرع أكد أن المفاوضات مع إسرائيل والدروز والأكراد تجري بأدب واحترام، على عكس الرواية الإعلامية، وهو يؤمن أن قواته قادرة على هزيمة فصائل مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسويداء والعلويين في الساحل، وقادرة على إخضاعهم.

تواجد قواعد روسية في الساحل، وأمريكية تحمي الأكراد، وإسرائيلية تدعم الدروز، يجعل الوضع معقدًا. التعامل مع هذه القوى الاحتلالية يتطلب صبرًا ودهاء، خاصة أن كل دولة لها أهدافها الخاصة (روسيا تسعى لحماية ميناء طرطوس، أمريكا تدعم الأكراد وتسرق الثروات، وإسرائيل تحمي حدود كيانها وتبحث عن توسعها في سوريا).

سوريا، وسط هذا العالم المزدحم بالمخاطر، تحتاج إلى استراتيجية ذكية. الشرع يرفض استعجال المواجهات، مدركًا وجود قواعد لثلاث دول عظمى، مما يجعل طردها ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى وقت وتخطيط، وهو يؤخر الحرب مع إسرائيل التي تحاول استفزازه.

صمت سوريا ليس جبنًا، بل حكمة، فهي تستعد لسيناريوهات مستقبلية. نجاحها سيكون نصرًا للأمة، وسيمتد تأثيره لعشرات الدول، بينما إسرائيل قد تتجه نحو النهاية

نسأل الله النصر لسوريا والمسلمين، وأن يحقق لهم الغاية ويرفع لهم الراية، وينصرهم على أعداء الإسلام