ماذا يحدث في الجزائر هذه الأيام؟

ناصر جابي يكتب

يجب عدم التعويل على الصحافة الوطنية للإجابة عن هذا السؤال، الذي يطرحه الكثير من الجزائريين على أنفسهم، وفي نقاشاتهم اليومية في ما بينهم. بعد معاينة انطلاق حركات احتجاجية مست هذه المرة قطاع النقل العمومي، بكل بالآثار المترتبة عنه، بدأت في البروز على شكل غلاء وندرة بعض المواد الاستهلاكية. تم ربطها بإضراب مالكي وسائل النقل العمومي. بسبب الزيادة المفاجأة في أسعار البنزين، وغلاء قطع الغيار، بما فيها عجلات المركبات المفقودة في السوق. في وقت تم فيه الحديث عن قانون مرور جديد، استهجن أصحاب المهنة طابعه الردعي المبالغ فيه. اقترحته الحكومة للحد من حوادث الطرق، كما حاولت أن تفسر ذلك خلال هذه الفترة، التي زاد فيها منسوب الردع المبالغ فيه في القوانين المقترحة. وكأننا أمام نية لضبط حالة اجتماعية – سياسية غير متحكم فيها، قبل الإقدام على قرارات يتخوف أصحابها من عدم نيلها رضى المواطن. بهدف خلق ميزان قوى سياسي لصالح الطرف الرسمي.
لنكون أمام مشهد سياسي يتجاوز هذه الحركات الاحتجاجية التي تعودت عليها الجزائر، عادة ما تكون من دون عمق سياسي، تملك قابلية للتكرار، لا تخرج عن الفضاء المصنعي المباشر، لا تطالب في الغالب إلا بمطالب فئوية ذات بُعد اقتصادي واجتماعي بصبغته المهنية. كان وراءه هذه المرة فاعلين اجتماعيين جديدين، مختلفين عن النقابات المهنية الممثلة لعمال الصناعة ونقابات العمال. أخرج الحركة الاحتجاجية من المصنع نحو الشارع والمدينة، كما حصل في الأسبوع الماضي، مع إضراب ناقلي النقل العمومي وسيارات الأجرة، قرّب الوضع من مشهد أكثر جدية.
حين نحاول توسيع الرؤية نكتشف مشهدا أقرب لما حصل قبيل أحداث 5 أكتوبر 1988، بما يحيل إليه من طرح لقضايا سياسية، لم يتم الإفصاح عنها مباشرة. كما هو الحال حين الاقتراب من ملف ما سمي بالتعديل التقني للدستور، الذي برمج ضمن جدول أعمال مجلس الوزراء ليسحب بسرعة. دون أن يتم توضيح المقصود بهذا التعديل التقني لهذه الوثيقة القانونية والسياسية، التي عرفت عدم استقرار كبير، مرتبطة بالحالة السياسية الأكثر اضطرابا. في وقت كان فيه المواطنون يتابعون نتائج الفريق الوطني لكرة القدم، في المنافسات الافريقية أبعدتهم عن كل هذه الهموم المستعصية.

تمديد في فترة العهدة الرئاسية، الذي سيربط بتمديد في فترة عهدة نواب البرلمان، حسب مصادر غير رسمية، أكدت حالة عدم التواصل الذي يميز العلاقة بين مراكز السلطة والمواطنين في الجزائر

«تعديل تقني» لم يعرف عنه الرأي العام الوطني أي تفاصيل ليتم سحبه بسرعة من جدول اجتماع مجلس الوزراء، كما جاء في بيان لوكالة الأنباء الرسمية، التي تكلمت عن… تأجيل لمشروع هذا التعديل التقني من أجل تعميق الدراسة تعزيزا للمكسب الديمقراطي الانتخابي، الذي تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.. التي يشاع أنها ستعود إلى النموذج القديم في نمط تسييرها، تحت سلطة وزارة الداخلية مباشرة، بعد تأكد بروز علامات العجز التي ظهرت في تسييرها بمناسبة الاستحقاق الانتخابي الأخير، المتعلق بالانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2024 أدت لاحقا إلى إنهاء مهام رئيسها، لم يتم تعيين خليفة له ليبقى المنصب شاغرا. يؤكد نية التخلص من هذه الهيئة، التي لم تبرر أسباب وجودها. لم تضف فيه الجديد والنوعي للعملية الانتخابية على مستوى المصداقية والشفافية.
في حين تكلمت مصادر إعلامية – في الخارج قريبة من المعارضة -عن نية جزء من أصحاب القرار المدني على التمديد لسنتين في العهدة الرئاسية، بعد الرفض الصارم الذي تكون قد لقيته نية فتح العهدات بين أبناء السلطة ذاتها، بأجنحتها المختلفة، في نظام سياسي يبدو أنه لم يستخلص الدروس من تجاربه القريبة، التي أدت إليها هرطقة فتح العهدات من قبل نظام بوتفليقة، الذي استمر رجاله في جل مراكز السلطة هم وثقافتهم السياسية، كما تؤكده محاولتهم الحالية التي تتكلم عنها المعارضة في الخارج وإعلامها، وكأنهم لم يتعظوا من الدرس.
تمديد في فترة العهدة الرئاسية، الذي سيربط بتمديد في فترة عهدة نواب البرلمان، حسب هذه المعلومات التي تكلمت عنها مصادر غير رسمية، أكدت حالة عدم التواصل الذي يميز العلاقة بين مراكز السلطة والمواطنين في الجزائر، الذين استمروا تحت وطأة الشائعة في غياب إعلام وطني بقي مغلقا، تحول مع الوقت إلى خطر على البلاد والعباد، من دون أن يتوضح المشهد في تفاصيله، هل يتعلق بالفترة الرئاسية الحالية فقط؟ أم بكل العهدات؟ بعد بداية ظهور بعض التفاصيل تحاول تبرير هذا التعديل، الذي وصف بالتقني، ونحن نربطه بالتسبيق الذي شهدته الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي نظمت في شهر سبتمبر بدل ديسمبر2024. لم يكن مبررا في حينه وقف المواطن أمامه حائرا. حيرة استمرت هذه الأيام ونحن نعيش جولات المشاكسات بين مراكز السلطة، كما تظهره السهام الموجهة إلى وزير الداخلية، على سبيل المثال، الذي يعول عليه سيناريو هذا التعديل التقني للدستور، كما وصف رسميا. يحيل إليه الكثير من الأحداث الحاصلة على غرار إضرابات النقل، والإشكالات التي طرحها قانون المرور. في علاقة بهذا الوجه البيروقراطي الجديد، المعين على رأس وزارتين مهمتين -الداخلية والنقل ـ الذي جاء من سلك الولاة بعد تجربة في قطاع السكن، كما كان الحال مع الرئيس تبون نفسه، الذي تقول الشائعة -هنا كذلك نحن أمام شائعات في غياب فضاء إعلامي مفتوح تتضرر منه السلطة ورجالها، مثل المواطن تماما، إن الوزير يملك علاقات وطيدة مع الرئيس تؤهله لكي يكون الرجل المفتاح، ضمن هذا المسعى المسمى التعديل التقني للدستور. مما يؤهله لكي يتحول إلى مركز تلقي هجومات من كل نوع، يتعرض لها كما هو معروف في ثقافة النظام السياسي الجزائري هامش السلطة- وزير الداخلية في هذه الحالة – وليس مركزها – الرئيس. بنية إفشال مسعى التغيير، عندما لا يحصل على التوافق السياسي المطلوب، بين مراكز القرار المختلفة لدى أبناء هذا النظام، الذي لم يتعاف تماما من آثار الحراك المدمرة. لتبقى إمكانية أن ينزل هذا الصراع إلى الشارع، كما حصل في المدة الأخيرة عبر الإضرابات، بالشائعات التي ارتبطت بها، واردة جدا، نظرا للشلل الذي يميز المؤسسات الرسمية في حل النزاعات التي تطرأ بين رجال النظام وعصبه، وهم يحاولون المبادرة والتغيير، من دون التوافق في ما بينهم. حالة عرفها التاريخ السياسي القريب زادت في منسوب اضطراب النظام وعطلت محاولات إصلاحه.

القدس العربي

كلمات مفتاحية: