ماذا تفعل لو كنت مكانه (مقال)

أحمد الشرع نجح في تفادي حرب شاملة

علي عبدالرازق

التعامل مع الوضع في سوريا يشبه التعامل مع متفجرات شديدة الحساسية، حيث كل خطأ يترتب عليه ثمن باهظ، وكل قرار يحمل عواقب خطيرة.

البعض يطالب سوريا اليوم بأن تصبح قوة تواجه إسرائيل، لكنهم لن يقدموا لها سوى المتابعة والتعليق عبر وسائل الإعلام، وهناك محللون ومتابعون ينتقدون أخطاء الحكومة السورية، يتهمونها بالتردد، ويدفعونها نحو مواقف قد تكون غير مدروسة، المهم أن تُغضب إسرائيل، وترضي عواطفهم وتطفئ نار الغضب بداخلهم

لكن في بلد يعاني ظروفاً معقدة كسوريا، يتطلب الاستعداد لمواجهة حرب مع إسرائيل أشهراً طويلة من التحضير، ليس لشن هجوم، بل لمجرد التصدي لعدو يمتلك ترسانة جوية هائلة، ولا يخشى المحاسبة الدولية، ولن يتوقف إذا قرر تدمير سوريا أو إسقاط نظامها، إلا برد فعل قوي ومنظم

 

أحداث السويداء الأخيرة:

هل جاءت قدراً وفرضت نفسها على الجميع؟ أم افتعلها طرف لجر الطرف الآخر وجس نبضه ودراسة مدى قدرته على الرد والتحرك؟ الله أعلم، في السويداء، شهدت الأيام الماضية تصعيداً خطيراً، حيث تجددت الاشتباكات التي أدت إلى سقوط مئات القتلى، بينهم مدنيون، ونزوح آلاف العائلات، وتكرر غدر وخيانة الدروز

وثّق مقتل أكثر من 321 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، وإصابة أكثر من 436 آخرين، وأفاد نقيب الأطباء في السويداء باستقبال المستشفى الحكومي لأكثر من 400 جثة، حيث قام الدروز بحرق البدو أحياء، ووصل بهم الإجرام والدموية والتوحش إلى حرق الأطفال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله

 

في خطوة لاحتواء الأزمة

أعلنت الحكومة السورية، بقيادة أحمد الشرع، وقفاً تاماً لإطلاق النار بعد اتفاق مع وجهاء المحافظة والدروز، وأكدت بدء انتشار قوات الأمن لاستعادة الاستقرار. ولكن، كعادته، يرى حكمت الهجري نهايته في الاستقرار، وهو مصمم على العمل في خدمة اليهود وطاعة أوامرهم

أعربت الرئاسة الروحية للموحدين الدروز، بقيادة حكمت الهجري، عن رفضها دخول قوات الأمن إلى السويداء، مطالبة بالحماية الدولية، واتهمت القوات الحكومية بدعم “عصابات تكفيرية” بالأسلحة الثقيلة، مما زاد التوترات الطائفية.

إسرائيل، من جانبها، صعدت من عملياتها العسكرية، حيث قصفت رتلاً للجيش السوري في السويداء، معتبرة أن تحركاته تخطت الحدود التي رسمتها بعد سقوط النظام السابق، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستواصل استهداف القوات السورية حتى انسحابها من المحافظة

أخطأت الحكومة السورية في تقدير رد فعل إسرائيل، إذ شجعتها رسائل أمريكية تدعو إلى إدارة سوريا كدولة مركزية، مما دفعها للتدخل في السويداء، لكن الضربات الإسرائيلية فاجأتها. هذا ما يُقال إعلامياً وسورياً وإقليمياً، لذلك أعلنت أمريكا أن التصعيد الأخير سببه سوء فهم غير مقصود

 

على صعيد إقليمنا الغير موحد

أصدرت تركيا وعواصم عربية بياناً مشتركاً أكد دعمه لـ”أمن ووحدة” سوريا، دون تقديم تفاصيل عن دعم عسكري مباشر. ومع ذلك، لا توجد معلومات مؤكدة تشير إلى اتفاق سري بين أحمد الشرع وتركيا للدفاع المشترك، رغم تأكيد تركيا استعدادها لتزويد سوريا بما تحتاجه إذا طُلب ذلك

تركيا تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، بما في ذلك طائرات ومسيّرات قادرة على استهداف إسرائيل، وبنك أهداف واسع، لكن أي دعم عسكري كبير لسوريا يبقى في إطار التكهنات، ولكن، بعيداً عن التكهنات، فتركيا هي التي ساندت هيئة تحرير الشام، ومنعت روسيا وإيران من تصفية القضية السورية في إدلب، وبدأت معهم معارك التحرير، مما يعني أن وقوف تركيا إلى جانب سوريا إذا ما قامت إسرائيل بجر الجميع إلى حرب واسعة ومفتوحة أمر واجب وإلزامي، فتركيا لن تتخلى عن سوريا تحت أي ظروف ولا تحت أي ضغط، حتى لو وصل الأمر إلى قطع علاقات تركيا بأمريكا

 

الاستعداد لمواجهة إسرائيل

السؤال المطروح: إلى أي مدى استعد أحمد الشرع لمواجهة إسرائيل؟ الواقع يشير إلى أن الاستعداد يتطلب تخطيطاً طويل الأمد، يشمل تجهيز الأسلحة، حفر الأنفاق، إنشاء مراكز قيادة سرية، ووضع خطط بديلة.

إسرائيل، بترسانتها الجوية الهائلة، تشكل تهديداً لا يمكن الاستهانة به، خاصة أنها لا تخضع لمحاسبة دولية. قد تعتقد إسرائيل أنها قادرة على إنهاء التهديد بضربة تقتل أحمد الشرع وأركان حكمه، كما حدث مع حزب الله في لبنان، لكن هيئة تحرير الشام تمتلك كتلة بشرية وتنظيماً يضمنان استمرارية الإدارة حتى في حالة فقدان قادتها.

إذا قررت إسرائيل قلب الطاولة على الجميع، وإذا تعامل نتنياهو كطفل كما يقول المسؤولون في أمريكا، وإذا فعل الشيء الذي لا يريده ترامب، فقد يكون من السهل على الأتراك والسوريين مواجهة إسرائيل وتكبيدها المزيد من الخسائر، وتكون فرصة لتركيا لتجربة أسلحتها على إسرائيل بموجب اتفاقيات تسليح مع سوريا، وقد يواجه اليهود سيناريو أسوأ مما توقعوا، خاصة إذا توحد السوريون خلف فكرة المقا./ومة.

أمريكا، بقيادة ترامب، بل أمريكا كدولة عميقة ومخابرات واستخبارات وبنتاغون، بدأوا يرون أن مشاكل الشرق الأوسط وعدم القدرة على إخمادها أصبح يمثل خطراً على أمريكا في مواجهة النفوذ الروسي والصيني، واحتمالية انتصار روسيا على أوكرانيا واجتياح الصين لتايوان، أصبحت أمور يجب التفرغ لها.

ورأى الكثيرون من قادة أمريكا أن من مصلحة أمريكا التصالح حالياً مع العالم العربي والإسلامي وكسبه في مواجهة الصين. ومن المفارقات أن هذا ما أعلنه أحمد الشرع في إدلب قبل تحرير سوريا، حيث يرى هو الآخر أن الغرب في حاجة إلى العالم الإسلامي، وليس أمامهم غير العودة إليه لكسب احترامه.

وما صدر من تصريحات أمريكية بخصوص ترامب ونتنياهو يشير إلى مدى غضب أمريكا من جرأة إسرائيل وإصرارها على إشعال المنطقة بأي شكل، وكأن نتنياهو أصبح في ورطة لا يخرجه منها سوى حرب جديدة يديرها وهو في أمان، وتتكفل أمريكا بأسلحتها، ويستمر هو في الحكم.

إسرائيل تحاول استغلال الانقسامات الداخلية في سوريا، خصوصاً عبر اللعب بورقة الأقليات في السويداء ومناطق قسد، لكن وحدة السوريين، خاصة أهل السنة، تحبط هذه المحاولات.

أحمد الشرع نجح في تفادي إشعال حرب شاملة، رغم محاولات إسرائيل إثارة الفوضى، والقرآن وصف اليهود بأنهم قوم “يوقدون نار الحرب”، لكن الله يطفئها، وهذا ما يتجلى في صمود سوريا.

ولذلك، التعامل مع إسرائيل يتطلب حذراً شديداً واستعداداً مستمراً. كل يوم يمر هو مكسب لسوريا، حيث يتعلم الشباب تشغيل المسيّرات، تُصنع الذخائر، وتتطور القدرات العسكرية.هذا الاستعداد هو ما سيحدد مصير المواجهة المحتومة.

سوريا، التي وُحدت في إدلب ثم فتحت دمشق، أصبحت في موقف قوة بفضل الله الذي قدر لها انتصاراتها، وإذا تمسك السوريون بدينهم ونصروا الله، فإن الله سينصرهم، كما وعد: “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

لا وقت لإرضاء الغرب، فالغرب لا يرضون إلا عمن يتبع ملتهم ويسمح لعلمانيتهم بالتواجد، بل ويحمي وجودها، فالنصر يكمن في التمسك بالدين والج./هاد، وشعب سوريا سيثبت، بإذن الله، أنه لم يعد قابلاً للسيطرة أو إخماد روحه القتالية، وسيعلم الذين انقلبوا من اليهود على السوريين،”عاجل غير آجل” إلى أي منقلب ألقوا بأنفسهم.

*علي عبد الرازق كاتب مصري