ماذا بعد الاعتراف بدولة فلسطين؟
"من الاعتراف الرمزي إلى معركة السيادة على الأرض"
- محمود الشاذلي
- 27 سبتمبر، 2025
- تقارير, حقوق الانسان, رأي وتحليلات
- أطفال غزة, أمريكا والفيتو, إسرائيل, الأمم المتحدة, الفلسطينيون, القدس, القيادة الفلسطينية, دولة فلسطين, محاكمة إسرائيل
منذ اندلاع موجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين في عامي 2024 و2025، امتلأت وسائل الإعلام بالعناوين العريضة: 145 دولة تعترف، أوروبا تتحرك، المجتمع الدولي ينحاز للعدالة. لكن وسط هذا الزخم، تغيب أسئلة أكثر عمقًا عن المشهد. أسئلة تتعلق بالواقع الفلسطيني، وبإسرائيل، وبأمريكا، وبالمجتمع الدولي نفسه. وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة: أن يُختزل الاعتراف في مجرد رقم على الورق، بينما يظل الاحتلال جاثمًا على الأرض.
هل لدى القيادة الفلسطينية خطة؟
الحقيقة المؤلمة أن الاعتراف الدولي الواسع لم يترافق مع خطة فلسطينية واضحة المعالم. نعم، السلطة الفلسطينية رحّبت، ووزارة الخارجية أصدرت بيانات، لكن: ماذا بعد؟ كيف يمكن تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى مكاسب حقيقية؟
الانقسام الداخلي بين فتح وحماس يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فماذا يفيد أن تعترف بك النرويج أو إسبانيا، بينما غزة محاصرة، والضفة مجزأة بالمستوطنات، والقدس تُبتلع يومًا بعد يوم؟
الاعتراف وحده لا يكفي. المطلوب قيادة فلسطينية قادرة على صياغة استراتيجية جديدة: كيف نستثمر الاعترافات في الأمم المتحدة؟ كيف نفتح أبواب المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيل؟ وكيف نوصل صوت الشعب الفلسطيني إلى كل عاصمة اعترفت بدولته؟
كيف سترد إسرائيل؟
من الخطأ الاعتقاد أن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحول التاريخي. على العكس، الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية تعتبر هذه الاعترافات تهديدًا وجوديًا لروايتها. ولهذا فهي تتحرك على مستويين:
-
فرض وقائع على الأرض: مزيد من الاستيطان، مزيد من القوانين العنصرية، ومزيد من الحصار على غزة. الهدف هو القول: “اعترفوا كما تشاؤون، لكننا نحن من يقرر من يحكم الأرض.”
-
الهجوم الدبلوماسي المضاد: إسرائيل تحاول إقناع الدول الكبرى بأن الاعتراف بفلسطين “يكافئ الإرهاب”، وأنه “يعرقل عملية السلام”. لكن الحقيقة الصارخة أن إسرائيل لم تقدم أي عملية سلام منذ سنوات طويلة، بل تقدّم فقط آلة حرب لا تتوقف.
إسرائيل اليوم تواجه عزلة دولية متنامية، لكن هل تتحول هذه العزلة إلى حصار فعلي شبيه بما واجه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؟ هذا سؤال لم تُجب عليه بعد الدول الغربية التي تكتفي بالتصريحات بينما تواصل بيع السلاح لتل أبيب.
أمريكا والفيتو… إلى متى؟
الجميع يعرف أن أمريكا هي الدرع الواقي لإسرائيل في مجلس الأمن. كلما اقترب الفلسطينيون من العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، يظهر الفيتو الأمريكي ليغلق الباب. لكن: إلى متى تستطيع واشنطن أن تتحمل هذه العزلة؟
اليوم أكثر من 75% من دول العالم تعترف بفلسطين. أوروبا بدأت تكسر الحاجز. الرأي العام الغربي، وخاصة الشباب، صار أكثر تعاطفًا مع فلسطين من أي وقت مضى. إذن، هل يظل الموقف الأمريكي صامدًا أمام هذا الطوفان؟ أم أن لحظة الانكسار قادمة؟
أين مردود الاعتراف على حياة الفلسطينيين؟
هنا السؤال الجوهري: هل يشعر الفلسطيني العادي بأي فرق؟
الإجابة حتى الآن: لا. غزة ما زالت تحت الحصار، الكهرباء شحيحة، المياه ملوثة، البطالة في أعلى معدلاتها. في الضفة، المستوطنون يسرحون ويمرحون تحت حماية الجيش، والطرق مقطعة بالحواجز. في القدس، الهدم والتهجير سياسة يومية.
إذن، ما قيمة الاعتراف الدولي إن لم يُترجم إلى مشاريع إعادة إعمار، إلى مساعدات مباشرة، إلى استثمارات تخلق فرص عمل؟ هل يكفي أن يرفع العلم الفلسطيني في الأمم المتحدة بينما أطفال غزة يقتلون كل يوم ؟
هل الاعتراف خطوة نحو حل الدولتين أم نحو واقع جديد؟
الاعتراف يُقدَّم عادة كخطوة لتعزيز حل الدولتين. لكن على الأرض، إسرائيل تدفن هذا الحل يومًا بعد يوم. المستوطنات تبتلع الضفة، والقدس خرجت من الحسابات الإسرائيلية منذ زمن. فهل ما زال حل الدولتين واقعيًا؟ أم أن الاعتراف الدولي قد يفتح الباب لنقاش جديد حول الدولة الواحدة، أو حتى حول صيغ مبتكرة للسيادة الفلسطينية؟
الاعتراف ليس النهاية
الاعتراف الدولي بفلسطين إنجاز مهم، لكنه ليس سوى بداية الطريق. السؤال الحقيقي هو: ماذا بعد الاعتراف؟
-
إن لم يترافق الاعتراف مع ضغط دولي متواصل على إسرائيل، فلن يتغير شيء.
-
إن لم يتحول الاعتراف إلى مساعدات مباشرة للشعب الفلسطيني، فسيظل إنجازًا رمزيًا.
-
إن لم يوحِّد الفلسطينيون صفوفهم، فلن يستطيعوا استثمار هذا الزخم التاريخي.
إن ما نحتاجه اليوم هو إرادة سياسية فلسطينية حقيقية، واستراتيجية دولية لا تكتفي بالتصريحات، بل تفرض على إسرائيل الانخراط في تسوية عادلة. العالم قال كلمته: فلسطين دولة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تظل دولة على الورق، أم تصبح وطنًا حيًّا على الأرض؟