مأزق في مضيق هرمز
يؤدي غياب الدبلوماسية إلى اعتماد كلا الجانبين على القوة فقط
- mabdo
- 21 مارس، 2026
- تقارير
- سورس بليسنج, مضيق هرمز
في 12 مارس، أفادت عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة (UKMTO) أن سفينة الحاويات “سورس بليسنج”، المستأجرة لشركة هاباج لويد والمؤجرة من الباطن لشريكها في التحالف ميرسك، كانت تعمل على خدمة النقل المكوكية M04 التابعة لشركة ميرسك في الخليج.
أُبلغ عن اندلاع حريق صغير على متن السفينة، إلا أنه تعذر تقييم الأضرار في ظلام الليل. وترسو السفينة حاليًا في الجزء الشمالي الغربي من الخليج، بعد أن كانت في طريقها إلى ميناء صحار العماني قبل اندلاع الحرب.
شكّل هذا الحادث الهجوم الرابع عشر على سفن تبحر في الخليج العربي، بعضها حاول عبور مضيق هرمز. وفي اليوم التالي، صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قائلاً: “إنّ الشيء الوحيد الذي يمنع العبور في المضيق حالياً هو إطلاق إيران النار على السفن. المضيق مفتوح للعبور ما لم تفعل إيران ذلك”.
في ديسمبر من العام الماضي، أجرت البحرية الإيرانية مناورات الشهيد محمد نظري البحرية، تلتها في يناير مناورات الردع 1404 ومناورات التحكم الذكي في فبراير. وقد تلاقت هذه المناورات لتحقيق هدف استراتيجي واحد: إغلاق مضيق هرمز.
كانوا تحت رقابة أمريكية دقيقة. دان كين، الخبير الاستراتيجي العسكري المخضرم ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، أدرك تمامًا خطورة الموقف. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، “أبلغ كين الرئيس في عدة جلسات إحاطة أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يعتقدون منذ فترة طويلة أن إيران قد تحاول إغلاق الممر الملاحي الحيوي باستخدام الألغام البحرية والطائرات المسيرة والصواريخ في حال اندلاع نزاع. وبحسب ما ورد، أقر ترامب بالمخاطر، لكنه قرر المضي قدمًا في الحملة العسكرية، مُخبرًا مستشاريه أنه يعتقد أن طهران ستستسلم على الأرجح قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة، وأن الجيش الأمريكي قادر على إعادة فتح الممر المائي إذا لزم الأمر.”
نقلت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية عن علي رضا تانغسيري، قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، قوله في بيان له إن مزاعم الولايات المتحدة بتدمير البحرية الإيرانية أو توفير مرافقة آمنة لناقلات النفط لا أساس لها من الصحة. وأضاف البيان أن مضيق هرمز لم يُغلق عسكرياً، وإنما يخضع للسيطرة فقط.
“مضيق هرمز مفتوح. إنه مغلق فقط أمام ناقلات النفط والسفن التابعة لأعدائنا، أمام أولئك الذين يهاجموننا وحلفائهم. أما الآخرون فهم أحرار في المرور.”
وهذا يثير السؤال المهم حول سبب صعوبة إدارة الوضع بالنسبة لكاين، على الرغم من التدمير شبه الكامل للأسطول البحري الإيراني في الأيام الأخيرة؟
يكمن الجواب في استخدام إيران المدروس لتضاريس الخليج لتشكيل استراتيجية تتمحور حول ما يُسمى بجزرها “حارسة البوابة الاستراتيجية”. فجزر قشم وهرمز غير المحتلة تُسيطر على الممرات الملاحية الرئيسية، بينما تُوفر جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى المحتلة مواقع لبطاريات الصواريخ الساحلية وأنظمة الرادار مباشرةً في مسار المجموعات البحرية المُقتربة.
انطلاقاً من هذه المواقع الاستراتيجية، قامت طهران بتركيب ثلاثة خطوط دفاع ساحلية: صواريخ رعد ونور بمدى يتراوح بين 120 و200 كيلومتر، والتي يمكنها عبور مضيق هرمز وإغلاقه فعلياً أمام حركة الملاحة السطحية؛ وصواريخ قادر وغدير ذات المدى الممتد التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر، والقادرة على ضرب أهداف في عمق خليج عمان أو وسط الخليج العربي؛ وصواريخ خليج فارس الباليستية المضادة للسفن المصممة لضرب السفن المتحركة مثل مجموعات حاملات الطائرات الضاربة.
إلى جانب نشر الصواريخ التقليدية، تبنت إيران أيضاً عقيدة “السيطرة الذكية” غير التقليدية. وتدمج هذه العقيدة أسراباً تضم أكثر من ألف صاروخ متسكع من طراز شاهد وأرش، تُطلق من صوامع ساحلية، مع آلاف الزوارق الهجومية السريعة المُسلحة بالصواريخ، وتستخدم تكتيكات الأسراب لإرباك دفاعات من فئة إيجيس. وتُضيف الألغام البحرية طبقة أخرى، إذ تُعد أداة منخفضة التكلفة لكنها فعالة للغاية لقطع طرق الملاحة البحرية فعلياً.
صُممت مدمرات وحاملات طائرات البحرية الأمريكية في الأساس للعمليات في المحيط المفتوح، وليس في المياه الضحلة للخليج. وكان هذا السبب الرئيسي لنشر زوارق خفر السواحل الأمريكية في المنطقة قبل العمليات القتالية، ومعظمها من فئة سنتينل.
هذه السفن مُسلحة فقط برشاشات متعددة الأعيرة وتفتقر إلى أنظمة الدفاع القوية اللازمة لتحمل الضربات الإيرانية المتواصلة. في المقابل، تستطيع المدمرات القيام بمهام المرافقة، إلا أن المياه الضحلة وقربها من الشاطئ يجعلانها أكثر عرضة للهجوم.
يدرك قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) براد كوبر، وهو ضابط بحري، هذا الوضع الحرج تماماً.
بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، “وافق وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث على طلب من القيادة المركزية الأمريكية للحصول على عنصر من مجموعة برمائية جاهزة ووحدة مشاة بحرية ملحقة بها… تتضمن المجموعة البرمائية الجاهزة عادةً سفينة هجومية، وحوضين للنقل، وسفينة دعم تحمل وحدة مشاة بحرية على متنها تضم ما لا يقل عن 2200 من مشاة البحرية”.
تشمل الوحدات المقرر نشرها في الشرق الأوسط وحدة المشاة البحرية الحادية والثلاثين، التي تضم حوالي 2200 من مشاة البحرية والبحارة المجهزين بمركبات مدرعة خفيفة. وسيتم نشر معظم هذه القوة على متن سفينة الإنزال البرمائية يو إس إس طرابلس، بدعم من الطراد يو إس إس روبرت سمولز والمدمرة يو إس إس رافائيل بيرالتا.
بالإضافة إلى ذلك، توفر وحدة المشاة البحرية الحادية والثلاثون قوة جوية كبيرة للمسرح، مع القدرة على تشغيل مقاتلات F-35B جنبًا إلى جنب مع طائرات الهليكوبتر AH-1Z Viper و UH-1Y Venom و CH-53E Super Stallion.
لا شكّ في أن نشر هذه القوة يُمثّل نقطة تحوّل في عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران. ومن المتوقع أن تنجح في شنّ هجمات واسعة النطاق على أي جزيرة أو منطقة تسعى للاستيلاء عليها قرب مضيق هرمز، حيث لن تتمكن القوات الإيرانية من الصمود أمام القوة النارية الهائلة من الجو والبحر المصاحبة لقوات المارينز.
لكن العملية برمتها تتوقف على قدرة الوحدة على الصمود أمام حرب الاستنزاف الإيرانية المتواصلة وموجات ضربات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تستمر ليلاً ونهاراً لأيام متواصلة.
في حين أن شن هجوم بري إيراني مضاد ضد مشاة البحرية الأمريكية أمر غير مرجح نظراً للتفوق الجوي الأمريكي، فإن الاستخدام المستمر للمدفعية والطائرات بدون طيار والذخائر المتنوعة سيضمن ضغطاً مستمراً ليس فقط على القوة الاستكشافية ولكن أيضاً على السفن التي تعبر مضيق هرمز.
ستستغرق المدمرة الأمريكية “يو إس إس طرابلس” أسبوعين للوصول إلى وجهتها الجديدة من اليابان، وهي عملية ستسبقها عمليات قصف تمهيدية مكثفة على الجزر الإيرانية. في غضون ذلك، يعزز الحرس الثوري الإيراني مواقعه، وينشر منصات إضافية لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ في جبال زاغروس، وينشئ نقاط مراقبة جديدة.
من المؤكد أن الأسابيع المقبلة ستشهد دروساً قاسية من العمليات العسكرية الجارية، حيث يؤدي غياب الدبلوماسية إلى اعتماد كلا الجانبين على القوة فقط لفرض إرادتهما.
—
مينا عادل
باحث أول في المركز المصري للدراسات الاستراتيجية (ECSS)