ليلة النار والجوع: غزة تصمد وسط الحصار والهجوم
وسط واحدة من أعقد وأقسى الأزمات الإنسانية
- السيد التيجاني
- 18 سبتمبر، 2025
- تقارير
- الجيش الإسرائيلي, الصين, المجاعة, روسيا, غزة
الساعة تقترب من منتصف الليل في مدينة غزة، والظلام يخيّم على أحيائها المدمّرة إلا من ومضات القصف وأصوات الطائرات التي لا تغادر السماء. في هذه الليلة،
كما في ليالٍ سبقتها منذ أشهر، يعيش الغزيون بين رعب الحرب وهاجس الجوع، وسط واحدة من أعقد وأقسى الأزمات الإنسانية والسياسية في العقود الأخيرة.
ميدان مشتعل تحت النار
منذ ساعات الفجر الأولى، كثّفت القوات الإسرائيلية هجومها البري داخل مدينة غزة، متقدّمة عبر أحياء الشجاعية والتفاح والصبرة.
أصوات المدفعية الثقيلة تتردّد عبر شوارع ضيقة لم تعد تعرف ملامحها القديمة، بعدما تحوّلت إلى ركام. السكان الذين ما زالوا صامدين في منازلهم القليلة المتبقية يروون عن اشتباكات ضارية بين مقاتلي حماس والقوات الإسرائيلية في الأزقة.
حيث يختلط دخان الانفجارات بالغبار المنبعث من المباني المنهارة.
تقول أم محمود، وهي سيدة في الخمسين من عمرها نزحت قبل أسبوعين من بيتها في حي الزيتون: “كل ليلة نسمع أصوات الرصاص والقذائف أقرب فأقرب. لم نعد نعرف أين الأمان. حتى الملاجئ المؤقتة لم تعد آمنة، وكثير منها قُصف”.
بالنسبة لإسرائيل، هذه العملية تمثّل المرحلة الجديدة من حملتها العسكرية، وتهدف – بحسب بيانات جيشها – إلى “تطهير المدينة من البنى العسكرية لحماس”.
لكن على الأرض، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا: آلاف المدنيين عالقون، مئات الجرحى بلا علاج، والمستشفيات تعمل بأقل من ٢٠٪ من طاقتها وسط نقص حاد في الكهرباء والأدوية.
نزوح لا ينتهي
منذ بداية الهجوم الأخير، ارتفعت أعداد النازحين إلى مستويات غير مسبوقة. وفق تقديرات الأمم المتحدة، أكثر من ٧٠٪ من سكان غزة باتوا نازحين داخليًا،
كثير منهم تنقّلوا أكثر من مرة. الليلة، تتكدّس مئات العائلات في مدارس مهجورة جنوبي القطاع، بعد أن استجابوا لنداءات إسرائيلية تطلب من المدنيين إخلاء شمال وغرب غزة.
المشهد في أحد هذه المدارس مؤلم: أطفال ينامون على الأرض بلا أغطية، نساء يحاولن طهو بعض الأرز القليل على نار الحطب، رجال يجلسون في صمت ثقيل بانتظار أخبار عن أقارب مفقودين. يهمس أحدهم: “لم نعد نملك سوى الأمل بأن نصحو غدًا ونحن ما زلنا أحياء”.
شبح المجاعة
لكن القصف ليس الخطر الوحيد. فخلال الأيام الماضية، حذّرت الأمم المتحدة من أن شمال غزة يقف على حافة المجاعة بعد أن أغلقت إسرائيل معبر “زكيم”، آخر المنافذ التي كانت تُستخدم لإدخال مساعدات غذائية ووقود.
التقارير الدولية تشير إلى أن المخزون الغذائي قد ينفد في غضون أيام، وأن بعض المناطق تشهد بالفعل حالات جوع حاد. منظمة الصحة العالمية تحدثت عن أطفال فقدوا الوزن بشكل خطير، وعن أمراض بدأت تنتشر بسبب سوء التغذية والمياه الملوثة.
في مخيم جباليا، تقول سلوى، وهي أم لخمسة أطفال: “نقتسم قطعة خبز واحدة على الجميع. أحيانًا نغلي الأعشاب مع الماء كي نخدع بطوننا الفارغة. ما أخشاه أكثر من القصف أن أرى أطفالي يموتون جوعًا أمامي”.
مدينة محاصرة
غزة الليلة تشبه جزيرة معزولة. لا كهرباء منذ أسابيع إلا عبر مولدات صغيرة بالكاد تعمل، ولا اتصالات إلا بشكل متقطع. الوصول إلى الإنترنت محدود للغاية، ما يجعل أخبار الداخل تصل للعالم ببطء شديد.
ومع ذلك، فإن ما يتسرّب من صور ومقاطع فيديو يُظهر حجم الكارثة: شوارع ممتلئة بالأنقاض، جثث تحت الردم، صفوف طويلة على بئر ماء صغير، وجوه منهكة وعيون غارقة في الخوف.
في المقابل، تؤكد إسرائيل أن هذه الإجراءات ضرورية لـ “منع تهريب الأسلحة وضمان عدم استخدام المساعدات لأغراض عسكرية”.
غير أن منظمات دولية، بينها الصليب الأحمر والأمم المتحدة، ترى أن حرمان المدنيين من الغذاء والدواء يُشكّل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي.
صدى عالمي
الأزمة لم تعد محلية، بل صارت بندًا ثابتًا على أجندة المجتمع الدولي. في نيويورك، عُقدت جلسة طارئة لمجلس الأمن، حيث تبادل الأعضاء الاتهامات. الدول الغربية تدعو إسرائيل إلى “الالتزام بالقانون الدولي الإنساني”،
بينما تطالب روسيا والصين بوقف فوري لإطلاق النار. الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل، وجدت نفسها تحت ضغط غير مسبوق بعدما صدرت تقارير من لجنة خبراء أممية تؤكد أن إسرائيل ترتكب “إبادة جماعية” في غزة.
في العواصم الأوروبية، خرجت مظاهرات ليل الأربعاء تطالب بوقف الحرب وفتح ممرات إنسانية. وفي العواصم العربية، صدرت بيانات إدانة وتصريحات عن ضرورة حماية الفلسطينيين، فيما تعقد الجامعة العربية اجتماعًا وزاريًا استثنائيًا لبحث سبل التدخل.
معادلة معقّدة
لكن وراء المشهد الإنساني المأساوي، يختبئ صراع سياسي وعسكري معقّد. إسرائيل تصرّ على أن حماس ما زالت تملك قدرات قتالية وأنها تستخدم المدنيين “دروعًا بشرية”، وهو ما تنفيه الحركة. حماس،
من جانبها، تعتبر أن ما يجري هو محاولة “اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه”، وتواصل شنّ هجمات صاروخية متقطعة على المستوطنات القريبة من القطاع.
في هذه الليلة، سُمع دوي صفارات الإنذار في عسقلان وأسدود إثر إطلاق صواريخ من غزة، بعضها اعترضته منظومة “القبة الحديدية”، بينما سقطت أخرى في مناطق مفتوحة. الجيش الإسرائيلي ردّ بقصف جوي مكثف على مواقع يُعتقد أنها منصات إطلاق.
حياة معلّقة
وبينما تتقاذف الأطراف الاتهامات، يظل المدنيون في غزة هم الضحية الأكبر. قصص العائلات المفجوعة تتكرّر: أب يبحث عن جثمان طفله تحت الأنقاض، أم تنوح على سرير مستشفى ميداني بلا دواء، شاب يحاول الاتصال بأقاربه المفقودين عبثًا.
في مستشفى الشفاء، الذي يعمل بطاقة متهالكة، يقول أحد الأطباء: “لم يعد لدينا مسكنات كافية، ولا حتى شاش طبي. كثير من الجرحى يُتركون على الأرض في الممرات بانتظار معجزة”.
المستقبل الغامض
الليلة، بينما ينام العالم، تبقى غزة مستيقظة على وقع الانفجارات. الأسئلة تتراكم بلا إجابات: إلى أين تمضي هذه الحرب؟ هل يمكن أن يفتح المجتمع الدولي ممرًا آمناً لإدخال المساعدات؟ هل تنجح الضغوط في فرض وقف للنار؟ أم أن غزة ستظل تحترق حتى تنهار تمامًا؟
ما يبدو واضحًا أن الصراع تجاوز مسألة “الردع العسكري” ليتحوّل إلى مأساة وجودية،
حيث يواجه أكثر من مليوني إنسان خطر الموت جوعًا أو قصفًا أو مرضًا. التاريخ سيكتب عن هذه الليالي الطويلة، وعن مدينة صمدت تحت النار لكنها دفعت ثمنًا فادحًا في الأرواح والأحلام.