لوكربي بعد 38 عاماً.. القضاء الأمريكي يفتح ملفاً لم يُغلق
واحد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الإرهاب
- السيد التيجاني
- 6 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- القضاء العسكري, قضية لوكربي, ليبيا
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تفجير طائرة «بان آم» فوق بلدة لوكربي الإسكتلندية، تستعد القضية للعودة إلى واجهة القضاء الأمريكي مع تحديد 19 يناير/كانون الثاني 2027 موعداً لبدء اختيار هيئة المحلفين في محاكمة الليبي أبو عجيلة محمد مسعود خير المريمي، المتهم بتصنيع القنبلة التي دمرت الرحلة رقم 103 عام 1988.
ويعيد تحديد الموعد فتح واحد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الإرهاب الجوي، ليس فقط بسبب العدد الكبير للضحايا، وإنما أيضاً لأن القضية ظلت مرتبطة لسنوات بأسئلة حول الجهة التي صنعت العبوة، ودور أجهزة الاستخبارات الليبية، والظروف التي أحاطت بالتحقيقات والمحاكمات السابقة.
اتهامات أمريكية بعد عقود من الحادث
تتهم السلطات الأمريكية المريمي، وهو ضابط سابق في جهاز الاستخبارات الليبية، بتصنيع العبوة التي وضعت على متن الطائرة قبل إقلاعها من لندن في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988 متجهة إلى نيويورك.
وأدى انفجار القنبلة إلى مقتل 259 شخصاً كانوا على متن الطائرة، إضافة إلى 11 شخصاً على الأرض، ليصبح التفجير أحد أكثر الهجمات دموية التي شهدتها أوروبا في ذلك الوقت.
وبحسب لائحة الاتهام الأمريكية، عمل المريمي في جهاز الاستخبارات الليبية منذ عام 1973 وحتى سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ووصل إلى رتبة عقيد. وترى النيابة الأمريكية أن دوره لم يكن هامشياً، بل كان مرتبطاً مباشرة بتصنيع العبوة المستخدمة في الهجوم.
لكن المريمي دفع بالبراءة من التهم الموجهة إليه، فيما تمسك فريق الدفاع بحقه في فحص الأدلة التي قدمها الادعاء.
أدلة جديدة تؤجل المحاكمة
كان القضاء الأمريكي قد قرر في أغسطس/آب الماضي تأجيل إجراءات المحاكمة بعد إبلاغ الدفاع بوجود أدلة جديدة في القضية.
ولم تكشف المحكمة عن طبيعة هذه الأدلة، الأمر الذي أضاف طبقة جديدة من الغموض إلى ملف ظل لسنوات محاطاً بالسرية والتفاصيل المتنازع عليها.
وطلب فريق الدفاع مهلة لدراسة المواد الجديدة، مشيراً إلى أن التزاماته القانونية والأخلاقية تفرض إجراء مراجعة دقيقة لكل ما يمكن أن يؤثر في مسار المحاكمة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن القضية تعتمد على أحداث وقعت قبل نحو 38 عاماً، ما يجعل تقييم الأدلة القديمة والجديدة مسألة مركزية أمام المحكمة.
ويقول خبراء قانونيون إن مرور هذا الوقت الطويل يمكن أن يفرض تحديات كبيرة على الادعاء والدفاع معاً، خصوصاً فيما يتعلق بموثوقية الشهادات، وحفظ الأدلة، وتقييم المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت خلال مراحل مختلفة من التحقيق.
من المسؤول عن قنبلة لوكربي؟
لم تكن هوية المسؤول عن تصنيع القنبلة مجرد مسألة جنائية، بل تحولت منذ وقوع التفجير إلى قضية دولية ذات أبعاد سياسية واستخباراتية.
وفي عام 2000، بدأت محاكمة اثنين من عناصر الاستخبارات الليبية أمام محكمة إسكتلندية خاصة أقيمت في هولندا. وأدين أحدهما، بينما حصل الآخر على البراءة، لكن القضية لم تغلق جميع الأسئلة المتعلقة بالمسؤوليات والأدوار التفصيلية داخل جهاز الاستخبارات الليبي.
ويرى الباحث في شؤون الإرهاب الدولي ريتشارد كليمنس أن أهمية المحاكمة الجديدة لا تقتصر على تحديد مسؤولية متهم واحد، بل تمتد إلى اختبار مدى قدرة القضاء على إعادة بناء أحداث تعود إلى نهاية الحرب الباردة اعتماداً على أدلة تراكمت عبر عقود.
ويضيف خبراء آخرون أن محاكمة المريمي قد تقدم فرصة للادعاء والدفاع لاستعراض تفاصيل ظلت بعيدة عن العلن، خصوصاً ما يتعلق بسلسلة تصنيع العبوة وكيف وصلت إلى الطائرة.
الغموض حول وصول المتهم إلى أمريكا
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في القضية يتعلق بكيفية وصول المريمي إلى الولايات المتحدة.
فالمسؤولين الأمريكيين لم يوضحوا بشكل كامل الظروف التي نقل فيها المتهم من ليبيا إلى الأراضي الأمريكية. وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام ليبية رواية تفيد بأنه اختُطف من منزله في طرابلس.
ويمثل هذا الجانب تحدياً إضافياً للدفاع، إذ يمكن أن تتحول ظروف القبض والنقل إلى موضوع للنقاش أمام المحكمة، خصوصاً إذا حاول فريق الدفاع الطعن في الطريقة التي جرى بها الحصول على المتهم أو التعامل معه قبل وصوله إلى القضاء الأمريكي.
ويشير خبراء في القانون الجنائي الدولي إلى أن المحكمة ستحتاج إلى الفصل بين الأسئلة المتعلقة بكيفية وصول المتهم إلى الولايات المتحدة وبين الأدلة الموضوعية الخاصة بالاتهامات نفسها.
تداعيات تتجاوز قاعة المحكمة
لا تبدو محاكمة المريمي قضية جنائية أمريكية معزولة، إذ تحمل معها إرثاً ثقيلاً من العلاقات بين واشنطن وطرابلس.
فملف لوكربي ارتبط لعقود بالعقوبات الدولية المفروضة على ليبيا، وبمفاوضات طويلة حول المسؤولية والتعويضات، وبمرحلة من العزلة الدولية التي عاشها نظام القذافي.
كما أن إعادة فتح الملف أمام القضاء الأمريكي في هذه المرحلة قد تعيد تسليط الضوء على تعامل الحكومات المتعاقبة مع القضية، وعلى الأساليب التي استخدمت لجمع المعلومات المتعلقة بالهجوم وملاحقة المتهمين.
ويرى الباحث في شؤون ليبيا جلال حرشاوي أن استمرار القضية بعد كل هذه السنوات يعكس حجم التعقيد الذي اكتنف ملف لوكربي، مشيراً إلى أن المحاكمة يمكن أن تكون اختباراً جديداً للرواية القضائية الأمريكية بشأن دور المريمي في التفجير.
ماذا تنتظر القضية؟
من المتوقع أن تركز المرحلة المقبلة على الإجراءات السابقة للمحاكمة، وفحص الأدلة، وتحديد المواد التي يمكن للنيابة والدفاع تقديمها أمام هيئة المحلفين.
وسيكون 19 يناير/كانون الثاني 2027 موعداً محورياً، إذ تبدأ عنده عملية اختيار هيئة المحلفين، قبل الانتقال إلى مرحلة عرض الأدلة والمرافعات.
لكن تحديد الموعد لا يعني أن جميع العقبات القانونية قد انتهت. فالدفاع يمكن أن يواصل طلب مراجعة الأدلة، كما يمكن أن تبرز خلال الإجراءات مسائل مرتبطة بشهادات قديمة أو مواد استخباراتية أو ظروف جمع الأدلة.
وفي المقابل، ستسعى النيابة إلى بناء ملف يثبت، وفق معيار الإثبات الجنائي الأمريكي، أن المريمي كان جزءاً مباشراً من عملية تصنيع القنبلة التي أدت إلى إسقاط الطائرة.
وبذلك تدخل قضية لوكربي مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من التحقيق والمحاكمات والتسويات. وقد لا تكون المحاكمة المنتظرة مجرد فصل أخير في ملف تاريخي، بل مناسبة لإعادة اختبار الأدلة التي شكلت الرواية الرسمية حول أحد أشهر التفجيرات الجوية في العالم، وتحديد ما إذا كان القضاء الأمريكي سيتمكن، بعد عقود من الحادث، من الوصول إلى حكم نهائي بشأن المسؤولية الجنائية للمريمي.