لعنة العقد الثامن

السيد التيجاني يكتب

يُستخدم مصطلح «لعنة العقد الثامن» في الأدبيات التاريخية لوصف المرحلة التي تقترب فيها بعض الكيانات السياسية من ثمانين عامًا على تأسيسها، حيث تبدأ مؤشرات التآكل البنيوي في الظهور بشكل متسارع. لا يعني ذلك وجود قانون صارم يحكم مصير الدول، لكنه نمط تحليلي يلاحظ تكراره في تجارب تاريخية متعددة، حين تتراكم الأزمات الداخلية وتفشل النخب في إعادة إنتاج التوازن.

في هذه المرحلة، تتغير طبيعة الأزمات. لم تعد الخلافات مجرد تنافس سياسي يمكن احتواؤه عبر الانتخابات أو التسويات، بل تتحول إلى صراعات تمس هوية الدولة نفسها. يتراجع الإجماع الداخلي، وتتصاعد الانقسامات الاجتماعية، ويبدأ الشك في المؤسسات التي كانت تمثل عناصر الاستقرار. هذه هي الملامح الأساسية لما يُوصف بلعنة العقد الثامن.

عند النظر إلى الحالة الإسرائيلية من هذا المنظور، يبرز عدد من المؤشرات التي يراها محللون دالة على مرحلة تحول عميق. من داخل الكيان، يشير المحلل العسكري عاموس هرئيل إلى تراجع واضح في التماسك الداخلي، مع تصاعد الخلافات بين التيارات السياسية، خصوصًا بين النخب الأمنية والسياسية. هذه الانقسامات لم تعد خفية، بل أصبحت جزءًا من المشهد العام.

كما يلفت الجنرال السابق إسحاق بريك إلى ما يصفه بأزمة في الجاهزية العسكرية، مشيرًا إلى خلل في العلاقة بين القيادة والجنود، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة حروب متعددة الجبهات. أهمية هذا الطرح أنه يأتي من داخل المؤسسة التي طالما اعتُبرت عنصر التفوق الرئيسي.

في البعد الأكاديمي، يقدم المؤرخ إيلان بابيه قراءة أعمق، حيث يرى أن المشروع الصهيوني يواجه تحديات بنيوية تتعلق بقدرته على الاستمرار بنفس الزخم، متحدثًا عن “شيخوخة سياسية” تصيب الأنظمة التي تفشل في تجديد شرعيتها أو إعادة تعريف ذاتها. هذه القراءة تضع الأزمة في سياق تاريخي طويل، يتجاوز اللحظة الراهنة.

ومن خارج الكيان، يطرح عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر تحليلات تتعلق بتغير الموقف الغربي، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يشير إلى تراجع الدعم غير المشروط، وظهور تيارات نقدية داخل المجتمع الأمريكي، بما في ذلك داخل الجامعات والنخب الفكرية. هذا التحول، وإن كان تدريجيًا، إلا أنه يحمل دلالات استراتيجية.

كما يذهب المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي إلى أن استمرار الصراع دون حلول عادلة يضعف من موقع إسرائيل أخلاقيًا وسياسيًا على المدى الطويل، مشيرًا إلى أن التحولات في الرأي العام العالمي قد تكون أكثر تأثيرًا من موازين القوة العسكرية التقليدية.

وفي السياق الأوروبي، يشير المؤرخ البريطاني آفي شلايم إلى أن إسرائيل تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على صورتها في الغرب، خاصة مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بالسياسات تجاه الفلسطينيين. ويرى أن هذا التآكل في الصورة قد ينعكس تدريجيًا على طبيعة العلاقات الدولية.

أما على الصعيد العربي، فيرى المفكر الفلسطيني عزمي بشارة أن الأزمة الإسرائيلية ليست فقط أمنية أو سياسية، بل هي أزمة هوية، تتعلق بالتناقض بين تعريف الدولة وطبيعة النظام السياسي فيها، معتبرًا أن هذه التناقضات قد تتفاقم مع الزمن إذا لم تُحل جذريًا.

ويشير الكاتب اللبناني جورج قرم إلى أن الكيانات التي تقوم على صراعات مفتوحة دون تسويات تاريخية عادلة تبقى عرضة لاهتزازات مستمرة، خصوصًا عندما تتغير البيئة الدولية والإقليمية. ويرى أن التحولات الجارية في النظام الدولي قد تعيد تشكيل موازين القوى بشكل غير متوقع.

وفي قراءة أخرى، يلفت الباحث العربي عبد الوهاب المسيري، في أطروحاته السابقة، إلى الطبيعة المركبة للمشروع الصهيوني، مشيرًا إلى أنه يواجه تحديات داخلية تتعلق بالهوية والانتماء، وهي قضايا لا يمكن حلها فقط عبر التفوق العسكري.

إلى جانب هذه الآراء، يبرز العامل الإقليمي كعنصر حاسم. تعدد الجبهات، وتنامي قدرات الفاعلين غير الدولتيين، وتغير موازين القوى في المنطقة، كلها عوامل تضع ضغطًا مستمرًا على أي دولة. في مثل هذه البيئة، يصبح التماسك الداخلي شرطًا أساسيًا للاستمرار، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على القدرة الاستراتيجية.

كما أن مسألة الشرعية الدولية تشهد تحولات ملحوظة. النقاشات في الجامعات الغربية، والحملات الحقوقية، والتغطيات الإعلامية، باتت أكثر نقدًا، وهو ما يشير إلى تغير تدريجي في البيئة التي كانت توفر دعمًا شبه مطلق في السابق. هذا التغير لا يعني بالضرورة انهيارًا وشيكًا، لكنه يعكس تحولات في المزاج العالمي.

في ضوء كل هذه المعطيات، يظل السؤال مطروحًا: هل تمثل هذه المؤشرات بداية مسار تراجعي طويل؟ أم أنها مجرد أزمة ضمن دورات الصعود والهبوط التي تمر بها الدول؟ التاريخ يقدم نماذج متعددة؛ بعض الدول استطاعت التكيف وإعادة إنتاج نفسها، بينما فشلت أخرى في تجاوز أزماتها.

ما يمكن قوله إن “لعنة العقد الثامن” توفر إطارًا لفهم هذه المرحلة، لكنها لا تقدم إجابات نهائية. هي عدسة تحليلية تساعد على قراءة التراكمات، وتفسير التغيرات، دون الجزم بمآلات محددة. الحالة الإسرائيلية، وفق هذا الإطار، تبدو أمام مفترق طرق، تتداخل فيه عوامل القوة والضعف بشكل معقد.

في النهاية، تبقى المسألة مفتوحة على عدة احتمالات. قد تنجح الدولة في إعادة التماسك والتكيف مع المتغيرات، وقد تدخل في مسار من التحولات العميقة التي تغير طبيعتها أو دورها في المنطقة. المؤكد أن المرحلة الحالية ليست عادية، وأن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه.

وهكذا، فإن “لعنة العقد الثامن” ليست نبوءة، بل قراءة في لحظة تاريخية تتكثف فيها الأسئلة الكبرى، وتبقى الإجابات مرهونة بما ستكشفه تطورات الواقع.