لبنان.. دلالات رمزية في صلاة الشيباني الجمعة بمسجد السلام طرابلس

اختار وزير الخارجية السوري أن يخصص جزءاً من برنامجه لعاصمة الشمال

الرائد – من المرتقب أن يحلّ وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مدينة طرابلس غدا الجمعة، لأداء صلاة الجمعة في مسجد السلام، في محطة تندرج ضمن برنامج زيارته الرسمية للبنان.

إلا أن هذه المحطة تبدو، وفق المعطيات، الأكثر رمزية في الزيارة. فمن بين اللقاءات الرسمية في بيروت، اختار الشيباني أن يخصص جزءاً من برنامجه لعاصمة الشمال، حيث سيؤدي صلاة الجمعة بأحد مساجدها، قبل أن يجول في الأسواق القديمة، من دون أن يتضمن برنامجه أي لقاء مع القيادات أو المرجعيات السياسية الطرابلسية.

لا تبدو هذه الزيارة تفصيلاً بروتوكولياً بقدر ما تحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود المدينة.

فاختيار مسجد السلام تحديداً، وهو الذي ارتبط اسمه بواحد من أكثر التفجيرات دموية التي شهدها لبنان خلال الحرب السورية، يضع الزيارة في إطار رمزي بالغ الدلالة. فالمكان لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية للطرابلسيين لكونه شاهداً على مرحلة دامية من العلاقة مع النظام السوري السابق، ولذلك فإن حضور أول وزير خارجية يمثل سوريا الجديدة إلى هذا المسجد يقرأه كثيرون على أنه نوع من العدالة لشهداء التفجير.

وتكتسب الخطوة بعداً إضافياً إذا ما قورنت بطبيعة العلاقة التي ربطت طرابلس بالأزمة السورية منذ عام 2011.

ومن جهته، رأى النائب السابق والخبير العسكري والإستراتيجي من بيروت، العميد شامل روكز، أن “رمزية صلاة الشيباني في أحد مساجد طرابلس لها خلفية وجدانية ومرتبطة بعلاقة المجموعات الإسلامية الموجودة بالجو السوري الجديد، وستكون هذه الزيارة بمثابة دفع للعلاقات الإسلامية- السورية- اللبنانية”.

فالمدينة كانت الأكثر احتضاناً للثورة السورية بين المدن اللبنانية، واستقبلت عشرات آلاف النازحين، وتحولت إلى مساحة سياسية وشعبية مؤيدة للمعارضة السورية آنذاك، فيما دفعت أثماناً أمنية واقتصادية وسياسية نتيجة هذا التموضع. لذلك، فإن وصول مسؤول سوري رفيع إلى المدينة بعد تبدل السلطة في دمشق، يحمل في ذاته مفارقة تاريخية تعكس حجم التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة.

لا يقل دلالة عن مكان الزيارة، ما تشير إليه المعلومات عن أن الشيباني لن يعقد لقاءات مع نواب أو زعماء المدينة، بل سيكتفي بجولة بين الناس في الأسواق الشعبية. وهو خيار يبدو مقصوداً، إذ يبتعد عن الاصطفافات اللبنانية التقليدية، ويقدم صورة مختلفة عن العلاقة التي تريد دمشق الجديدة نسجها مع لبنان، من خلال مخاطبة المجتمع المحلي مباشرة، بعيداً من الاصطفافات السياسية والحسابات الداخلية.

وفي المقابل، تحمل الزيارة رسالة تتجاوز طرابلس نفسها. فهي تعكس رغبة دمشق في الإيحاء بأنها استعادت حضورها السياسي الطبيعي في محيطها، وأنها قادرة على التأثير الشعبي والسياسي، وبناء علاقات جديدة مع مختلف البيئات اللبنانية، ولكن هذه المرة عبر الأدوات الدبلوماسية والانفتاح السياسي، لا عبر النفوذ الأمني الذي طبع مرحلة النظام السابق. كذلك تشكل رسالة إلى الداخل اللبناني أن سوريا الجديدة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على قاعدة التعاون واحترام السيادة، لا على قاعدة الوصاية التي شكلت عنواناً لسنوات طويلة.

في قلب هذا المشهد، تبدو طرابلس المدينة الأقرب إلى الداخل السوري، وصاحبة المرفأ الأكثر قدرة على أداء دور محوري في أيّ ورشة اقتصادية أو لوجيستية تربط لبنان بسوريا مستقبلاً. لذلك، فإن أيّ انفتاح سياسي بين دمشق وطرابلس ستكون له انعكاسات تتجاوز الرمزية، ليطال الاقتصاد وحركة الترانزيت والاستثمار وإعادة وصل الشمال اللبناني بعمقه الطبيعي.

ويبقى أن صورة وزير الخارجية السوري وهو يؤدي صلاة الجمعة في مسجد السلام، إذا تمت كما هو مقرر، قد تتحول إلى واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن التحولات التي شهدتها العلاقة بين دمشق وطرابلس. فهي تجمع بين ذاكرة الماضي ورسائل الحاضر، وتختصر محاولة سوريا الجديدة تقديم نفسها بصورة مختلفة، في مدينة كانت لعقود عنواناً لمعارضة النظام السابق، قبل أن تصبح اليوم أول محطة رمزية لها داخل لبنان.

اترك تعليقا