لا تتعاملوا مع كبار السن كأنهم ينتظرون الموت

د محمد صادق يكتب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من أقسى ما يُبتلى به بعض كبار السن أن يتحول المرض في نظر من حولهم إلى مقدمة موت، لا إلى نداء رعاية.

يشكو الأب وجعًا، فتسمع من يقول:
“كبر خلاص… ربنا يسهل عليه”.

وتتعب الأم، فيتعامل بعض الأبناء مع تعبها وكأنه أمر انتهى، لا يستحق متابعة ولا علاجًا ولا صبرًا ولا اهتمامًا.

وكأن الإنسان إذا شاخ سقط حقه في الحياة.
وكأن الضعف ألغى كرامته.
وكأن التجاعيد محَت تاريخه.
وكأن المرض قال لأبنائه: انتهى دوركم.

*والله ما هكذا يكون البر.*

كبير السن لا يحتاج فقط إلى دواء، بل يحتاج إلى عين رحيمة، وصوت هادئ، ويد تمسك يده، وقلب لا يُشعره أنه صار عبئًا ثقيلًا.

يحتاج أن يشعر أن عمره ما زال عزيزًا على من حوله.
أن أنفاسه ليست زائدة على الحياة.
أن وجوده في البيت ليس انتظارًا للفقد، بل بقاء للبركة.

كل يوم يعيشه المؤمن قد يكون خيرًا له.
ربما يسبّح فيه تسبيحة ترفعه.
ربما يستغفر فيه استغفارًا يمحو ذنبًا.
ربما يصبر فيه على ألم فيكون له عند الله مقام.
وربما يدعو فيه دعوة تفتح لأبنائه أبوابًا لا يعلمونها.

وكذلك كل يوم يبقى فيه الوالد أو الوالدة بين أبنائهم هو فرصة لا تُقدّر بثمن.

فرصة أن تبرّ.
أن تقبّل الرأس.
أن تسمع الدعاء.
أن تطلب السماح.
أن تردّ بعض الجميل، وإن كان الجميل لا يُردّ.

لا تستعجلوا الغياب ببرود مشاعركم.
ولا تدفنوا كبار السن معنويًا قبل أن يموتوا.
ولا تجعلوا الشيخوخة سببًا لإهمال من كانوا يومًا سببًا في قيامكم على أقدامكم.

من كان يحمل تعبك صغيرًا، لا ينبغي أن تستثقل تعبه كبيرًا.

ومن كان يسهر على حرارتك، لا يليق أن تملّ من دوائه.
ومن كان يفرح بخطواتك الأولى، لا يصح أن تضيق بخطواته البطيئة.

كبار السن ليسوا عبئًا على البيوت.
هم آخر ما تبقى فيها من رائحة الماضي، ودفء الدعاء، وبركة الأصل.

فأحسنوا إليهم ما داموا بينكم.

فوالله سيأتي يوم يكون فيه الدواء حاضرًا… ولا مريض.
والسرير موجودًا… ولا أب.
والغرفة كما هي… لكن الصوت الذي كان يطلب الماء قد سكت إلى الأبد.

حينها فقط يعرف الإنسان أن التعب لم يكن في رعايتهم، *بل التعب الحقيقي في فقدهم.*

اترك تعليقا