كيف يمكن لترمب السيطرة على غرينلاند في 4 خطوات؟
سيناريو أميركي يعيد للأذهان نماذج التوسع بالقوة
- محمود الشاذلي
- 9 يناير، 2026
- اخبار العالم, تقارير
- إخضاع غرينلاند, الإدارة الأميركية, ترمب, واشنطن
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب فتح واحد من أخطر الملفات الجيوسياسية في العالم، بإصراره المتكرر على السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، في خطوة لا تخفي طابعها التوسعي، رغم رفض غالبية سكان الإقليم الانضمام إلى الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير لصحيفة «بوليتيكو»، فإن سيناريو الغزو العسكري المباشر قد يبدو خياليًا في العلن، إلا أن الواقع يشير إلى مسار منظم تسلكه إدارة ترمب بهدوء، يجمع بين الضغط السياسي، وحملات التأثير، والمساومة الأمنية، وصولًا إلى التلويح بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر.
القلق الأوروبي، وفق الصحيفة، لا ينبع فقط من الطموح الأميركي، بل من التشابه الصادم بين هذا النهج وبين الاستراتيجية التوسعية التي اعتمدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في محيطه الجغرافي.
الخطوة الأولى: تفكيك الدولة من الداخل عبر «استقلال مُوجَّه»
مع بداية ولاية ترمب، بدأت الإدارة الأميركية في الترويج المكثف لفكرة استقلال غرينلاند عن الدنمارك، ليس انطلاقًا من احترام حق تقرير المصير، بل باعتبار الاستقلال مدخلًا قانونيًا يتيح لواشنطن التحرك بحرية بعيدًا عن قيود كوبنهاغن.
غرينلاند، بوضعها الحالي، لا تستطيع توقيع اتفاقيات سيادية دون موافقة الدنمارك، وهو ما تعتبره إدارة ترمب عائقًا استراتيجيًا يجب إزالته.
ورغم أن استطلاعًا للرأي عام 2025 أظهر أن 56% من سكان الإقليم يؤيدون الاستقلال، فإن هذه النسبة لا تعكس بالضرورة رغبة في الارتماء داخل النفوذ الأميركي، بل تطلعات محلية لاستقلال القرار.
لكن تقارير إعلامية دنماركية كشفت عن عمليات تأثير سرية نفذتها جهات أميركية مرتبطة بترمب، وسط تحذيرات رسمية من الاستخبارات الدنماركية بأن غرينلاند باتت هدفًا لحملات تأثير منسقة.
وصف خبراء السياسة الرقمية هذه التكتيكات بأنها نسخة أميركية من الأساليب الروسية: تضخيم أصوات محددة، بناء شبكات إعلامية وهمية، وخلق انطباع زائف بأن خيارًا بعينه أصبح «حتميًا».
وفي لهجة تكشف الثقة بالقوة أكثر من احترام القانون، قال ستيفن ميلر، أحد أبرز مستشاري ترمب، إن «لا أحد سيقاتل الولايات المتحدة عسكريًا من أجل غرينلاند».
الخطوة الثانية: صفقة مغرية… لكنها غير متكافئة
في حال نجاح سيناريو الاستقلال، تنتقل واشنطن إلى المرحلة التالية: إخضاع غرينلاند لنفوذها المباشر.
الفكرة الأكثر تطرفًا تمثلت في ضم الإقليم كولاية أميركية جديدة، وهو ما قوبل برفض كاسح من سكان الجزيرة، حيث أظهر استطلاع الرأي أن 85% يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة.
غير أن إدارة ترمب لا ترى في هذا الرفض نهاية الطريق، بل تبحث عن بدائل أكثر «نعومة»، مثل اتفاقيات الارتباط الحر، التي تمنح واشنطن سيطرة عسكرية شبه مطلقة مقابل وعود بالحماية والمساعدات.
ويرى منتقدون أن هذه الصيغة لا تختلف جوهريًا عن تحويل غرينلاند إلى قاعدة أميركية متقدمة، مع واجهة سيادية شكلية.
وحذر خبراء عسكريون دنماركيون من أن ترمب ليس مفاوضًا موثوقًا، مشيرين إلى سجل طويل من التنصل من الالتزامات، واستخدام الاتفاقيات كأدوات ضغط مؤقتة لا أكثر.
الخطوة الثالثة: ابتزاز أوروبا عبر ملف أوكرانيا
تتوقع «بوليتيكو» أن تواجه أي محاولة أميركية لفصل غرينلاند عن الدنمارك رفضًا أوروبيًا واسعًا، لكن إدارة ترمب تملك ورقة ضغط خطيرة: أوكرانيا.
ومع تعثر مفاوضات السلام، يمكن لواشنطن أن تعرض ضمانات أمنية أكبر لكييف مقابل صمت أوروبي – أو مرونة – بشأن غرينلاند.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن هذا النوع من الصفقات يعكس عقلية مقايضة خطيرة، تُستخدم فيها القضايا الأمنية كأدوات ابتزاز سياسي، بدلًا من الالتزام بالقانون الدولي أو مبادئ التحالفات.
الخطوة الرابعة: فرض الأمر الواقع بالقوة
إذا فشلت جميع المسارات السابقة، يبقى الخيار الأكثر تطرفًا مطروحًا: السيطرة العسكرية السريعة.
يشير خبراء دفاع إلى أن غرينلاند تفتقر إلى أي دفاعات حقيقية، بينما تمتلك الولايات المتحدة وجودًا عسكريًا قائمًا بالفعل في قواعد استراتيجية، ما يجعل السيطرة على العاصمة نوك مسألة وقت قصير.
ويرى محللون أن هذا السيناريو يعكس منطق «الاستيلاء أولًا ثم التفاوض لاحقًا»، وهو النهج ذاته الذي أدخل العالم في أزمات كبرى خلال العقد الأخير.
وحذر مسؤولون عسكريون سابقون من أن أي خطوة من هذا النوع ستقوض الثقة داخل حلف «ناتو»، وقد تدفع الحلفاء إلى تقليص التعاون الاستخباراتي والعسكري مع واشنطن، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الأميركي نفسه.
ما يطرحه ترمب في ملف غرينلاند لا يبدو مشروع شراكة، ولا دفاعًا عن تقرير المصير، بل إعادة إنتاج صريحة لمنطق القوة، حيث تُستخدم الديمقراطية حين تخدم المصالح، وتُستبعد فور تعارضها مع الطموحات الجيوسياسية.
ولو كانت غرينلاند دولة ضعيفة خارج المنظومة الغربية، لكان هذا السلوك وُصف بلا تردد بأنه توسع بالقوة وتهديد
للسيادة.