كيف صعدت قرية “سيدي بوسعيد” إلى العالمية؟
الموقع التونسي العاشر
- dr-naga
- 26 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- 'الجوهرة الزرقاء', السحر الأندلسي, تونس, قائمة التراث العالمي لليونسكو, قرية سيدي بوسعيد
الرائد/ لم تكن الألوان في قرية ‘سيدي بوسعيد’ يوماً مجرد طلاء على الجدران، بل كانت هوية بصرية يمتزج فيها بياض الياسمين بزرقة بحر قرطاج .واليوم، يتوّج هذا السحر الأندلسي العريق باعتراف أممي وضع القرية رسمياً في مكانها المستحق كعاشر موقع تونسي ينضم إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو .هذا الإنجاز التاريخي لا يمثل مجرد شهادة تكريم لـ’جوهرة المتوسط’، بل هو إعلان رسمي يحوّل هذا الفضاء الروحي المُلهم من ذاكرة وطنية تونسية إلى إرث إنساني محمي يخص العالم بأسره . فكيف صعدت سيدي بوسعيد إلى منصة العالمية، وما الذي يعنيه هذا الاعتراف لمستقبل السياحة والثقافة في تونس؟
الاعتراف الأممي والدولي
بالأمس أعلنت وزارة الثقافة التونسية، أن لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) قررت إدراج قرية سيدي بوسعيد بالضاحية الشمالية للعاصمة تونس رسميا على قائمة التراث العالمي.
وقالت الوزارة، في بيان، إن القرار اتُخذ بالإجماع خلال الدورة الـ48 لمنظمة (يونسكو) المنعقدة حاليا بمدينة بوسان الكورية، وذلك “تتويجا لملف الترشح الذي قدمته تونس تحت عنوان: قرية سيدي بوسعيد: مركز للإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض المتوسط”.
وأضافت أن قرار الإدراج يأتي “اعترافا بالقيمة العالمية الاستثنائية لقرية سيدي بوسعيد باعتبارها مركزا للإلهام الثقافي والروحي والفني، ونموذجا معماريا متفردا يختزل جانبا مهما من تاريخ تونس وهويتها الحضارية”.
وأشارت إلى أن تونس شرعت في فبراير 2024 في إعداد ملف الترشح، قبل أن تتقدم في فبراير 2025، عبر مندوبتها الدائمة لدى منظمة (يونسكو)، بإيداع الملف لدى مركز التراث العالمي.
ونقل بيان وزارة الثقافة التونسية عن المندوب الدائم لتونس لدى (يونسكو) ورئيس الوفد التونسي في الدورة الـ48 لـ(يونسكو)، ضياء خالد، قوله إن هذا الإدراج “لا يمثل هدفا نهائيا في حد ذاته، بل هو التزام راسخ من تونس بالمحافظة على جميع عناصر تراثها، الثقافي والطبيعي وغير المادي والوثائقي”.
وبهذا الإدراج، يرتفع عدد المواقع التونسية المدرجة على قائمة التراث العالمي إلى 10 مواقع، لتواصل تونس تعزيز حضورها ضمن البلدان العربية والإفريقية الأكثر تمثيلا على قوائم (يونسكو).
الجذور التاريخية والروحية
تعود النواة الأولى للقرية إلى القرن الثالث عشر ميلادي، حيث بدأت كحصن دفاعي (رباط) على أعالي التلة الصخرية لحماية السواحل التونسية من الغزوات.
واكتسبت اسمها الحالي نسبة إلى الشيخ المتصوف “أبو سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي”، الذي اعتزل في هذا المكان للعبادة ودُفن فيه، ليتحول ضريحه إلى مزار روحي شهير نمت حوله القرية وتأثرت لاحقاً في عماراتها بتدفق المهاجرين الأندلسيين
وتقع قرية سيدي بوسعيد على مرتفع جبل المنار المطل على خليج تونس، بالضاحية الشمالية للعاصمة تونس، وتعد واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والسياحية في البلاد، وتشتهر بطابعها المعماري العربي الأندلسي الفريد الذي يمتزج فيه اللونان الأبيض والأزرق، ما أكسبها شهرة عالمية.
سحر العمارة وثنائية الألوان
تنفرد سيدي بوسعيد بهوية بصرية ساحرة تجعلها أشبه بلوحة فنية حية، حيث تمتزج جدران بيوتها البيضاء بنوافذها وأبوابها الخشبية العتيقة المطلية باللون الأزرق السماوي. هذا التناسق اللوني الفريد ليس عفوياً، بل يحميه قانون تاريخي صارم صدر بمرسوم رسمي عام 1915 بجهود من البارون الفرنسي “رودولف ديرلانجي”، وهو ما جعل القرية أول موقع محمي في العالم يمنع بشكل تام تغيير معالمه المعمارية وألوانه الأصلية.
الجغرافيا وعناصر الجذب السياحي
تربض القرية فوق منحدر صخري شاهق يطل مباشرة على خليج تونس والبحر الأبيض المتوسط، مجاورة لأطلال مدينة قرطاج الأثرية العريقة .
وتستقطب القرية ملايين الزوار سنوياً بفضل أزقتها المرصوفة بالحصى التي تزينها نباتات “الجهنمية” الوردية، ومعالمها الشهيرة مثل مقهى “العالية” التاريخي، ومقهى “سيدي شبعان” البانورامي، وقصر “النجمة الزهراء” الذي يجسد روعة الفن الأندلسي.
التحديات البيئية والمستقبلية
رغم هذا التتويج الأممي، تواجه سيدي بوسعيد تحديات حقيقية تهدد سلامتها البنيوية، وعلى رأسها التغيرات المناخية المتطرفة والطقس القاسي الذي يتسبب في حدوث انزلاقات طينية صخرية وأضرار بالواجهات الأثرية.
ويتطلب هذا الاعتراف الدولي الجديد من السلطات التونسية تطبيق استراتيجيات عاجلة وصارمة لإدارة الضغط السياحي الكثيف، ومنع البناء العشوائي، وترميم المنحدرات لضمان استدامة هذه الجوهرة التاريخية.
إن انضمام قرية ‘سيدي بوسعيد’ إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو ليس مجرد شهادة تكريم تُعلق على جدرانها البيضاء، بل هو ميثاق عهد دولي يضع العالم بأسره أمام مسؤولية تاريخية لحمايتها. لقد أثبتت هذه ‘الجوهرة الزرقاء’ أن الأصالة الحية قادرة على الصمود في وجه الزمن وعاديات الطقس، لتظل نافذة تونس المشرعة على قيم الجمال، والتسامح، والالتقاء الإنساني. ومع هذا التتويج الأممي، تبدأ سيدي بوسعيد فصلاً جديداً من تاريخها؛ فصلاً لا تكتفي فيه بكونها حارسة لذاكرة المتوسط، بل منارة عالمية محمية تلهم الأجيال القادمة بأن سحر الشرق وألوان الأندلس إرث خالد لا يموت.
