كيف تحولت خارطة “إسرائيل الكبرى” إلى حرب وجودية؟

لم تعد "إسرائيل الكبرى" مجرد حلم حبيس الكتب وأدبيات اليمين المتطرف

الرائد: لم يعد مصطلح “إسرائيل الكبرى” مجرد حلم حبيس الكتب الدينية أو أدبيات اليمين المتطرف، بل تحول في الشهور الأخيرة إلى “خارطة طريق” معلنة يتسابق قادة الاحتلال وداعموهم في واشنطن لترويجها. تحت غطاء الدخان في غزة والتوتر الإقليمي، برزت أسماء وشخصيات أعادت رسم حدود المنطقة بالكلمات قبل الخرائط.

مثلث الحسم: سموتريتش، بن غفير، ونتنياهو
داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية، يقود الثنائي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير الجانب الأيديولوجي للمشروع. لم يكتفِ سموتريتش بوصف الضفة الغربية بأنها “يهودا والسامرة” التي يجب ضمها، بل صرح علانية في لقاءات تلفزيونية (أبرزها مع “آرته” الفرنسية) بأن طموح “إسرائيل الكبرى” يمتد أبعد من ذلك، معتبراً أن القدس يجب أن تمتد لتشمل عواصم عربية مجاورة، واصفاً ذلك بـ”القدر التاريخي”.
أما بنيامين نتنياهو، فقد اختار “لغة الخرائط” ليروج للرؤية ذاتها؛ ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رفع خارطة لـ “الشرق الأوسط الجديد” خلت تماماً من أي إشارة لفلسطين، في إشارة واضحة لسيادة إسرائيلية مطلقة من النهر إلى البحر.
الظهير الأمريكي: ترامب و”المساحة الصغيرة”
على الجانب الآخر من المحيط، دخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على خط الترويج للمشروع بقوة. في تصريحاته الأخيرة (أغسطس 2024)، أثار جدلاً واسعاً حين قال: “عندما تنظر إلى الخريطة، تجد أن إسرائيل بقعة صغيرة جداً.. كيف يمكن توسيعها؟”. هذه العبارة لم تكن زلة لسان، بل اعتبرها المحللون ضوءاً أخضر للتيار التوسعي في تل أبيب.
ولم يكن صهره جاريد كوشنر بعيداً عن هذا السياق، إذ تحدث عن “الإمكانات العقارية” لشواطئ غزة، داعماً فكرة “نقل” السكان لتأمين مساحات إضافية لإسرائيل، وهي الرؤية التي تتقاطع تقنياً مع فكرة التوسع الجغرافي.
دلالات التوقيت: من الحلم إلى الأجندة
يرى مراقبون أن الترويج لهذا المشروع في هذا التوقيت بالذات يستهدف:

*شرعنة الاستيطان: عبر تحويل الضم من إجراء غير قانوني إلى “استرداد للأرض”.

*إعادة صياغة الوعي: بجعل فكرة التوسع الجغرافي موضوعاً للنقاش العام بدلاً من حل الدولتين.

*الضغط الإقليمي: عبر التلميح بأن الحدود الحالية ليست نهائية.

بين نبوءات اليمين وحسابات السياسة في واشنطن، تبدو “إسرائيل الكبرى” اليوم وكأنها لم تعد مجرد شعار، بل مشروعاً يطرحه هؤلاء القادة كأمر واقع ينتظر “اللحظة التاريخية” للتنفيذ.
تبدل المشهد في الشهور الأخيرة من “خطاب التوسع” إلى “واقع الاستنزاف”، حيث يرى مراقبون ومحللون عسكريون أن إسرائيل تواجه اليوم ما يُوصف بـ “حرب وجودية” تهدد بقاءها واستقرارها الداخلي، وذلك نتيجة عدة عوامل ضاغطة:
1. الاستنزاف العسكري وتعدد الجبهات
لم تعد المواجهة محصورة في قطاع غزة، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة الأمد على سبع جبهات (غزة، الضفة، لبنان، اليمن، العراق، سوريا، وإيران). هذا الضغط العسكري المستمر أدى إلى:

إنهاك قوات الاحتياط: مما دفع الحكومة للمطالبة بتمديد الخدمة وتجنيد “الحريديم” لسد العجز.

تآكل الردع: الهجمات المباشرة من إيران والمسيرات من اليمن ولبنان اخترقت العمق الإسرائيلي، مما كسر صورة “الدولة التي لا تُقهر”.

2. التصدع المجتمعي والسياسي

تعيش إسرائيل حالة من الانقسام الداخلي الحاد، حيث يتصارع تياران:

تيار “النصر المطلق”: (يمثله نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون) الذي يصر على الاستمرار مهما كانت الكلفة لضمان البقاء السياسي وتجنب المحاسبة.

تيار “إنقاذ الدولة”: (يمثله أهالي الأسرى والمعارضة) الذي يرى أن الأولوية هي لاستعادة المحتجزين ووقف الحرب لمنع انهيار الدولة اجتماعياً واقتصادياً.

3. الأزمة الاقتصادية والنزوح
لأول مرة منذ عقود، تواجه إسرائيل أزمة نزوح داخلي (أكثر من 200 ألف إسرائيلي غادروا منازلهم في الشمال والجنوب)، بالإضافة إلى:

تراجع التصنيف الائتماني: خفضت وكالات عالمية مثل “موديز” و”ستاندرد آند بورز” تصنيف إسرائيل، مما يعكس القلق من استدامة الاقتصاد تحت وطأة الحرب.

إغلاق المصالح: توقفت آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة عن العمل، خاصة في مناطق الصراع.

4. العزلة الدولية والملاحقة القانونية

تواجه إسرائيل ضغوطاً غير مسبوقة في المحافل الدولية:

محكمة العدل الدولية: النظر في تهم “الإبادة الجماعية”.

المحكمة الجنائية الدولية: ملاحقة قادة إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب.
هذه العزلة جعلت “البقاء” يتطلب جهداً ديبلوماسياً هائلاً لمنع فرض عقوبات دولية أو حظر تصدير الأسلحة.

5. التحول من الهجوم إلى الدفاع
بعد عقود من تبني عقيدة “نقل المعركة إلى أرض العدو”، تجد إسرائيل نفسها اليوم في حالة دفاع مستمر عن مدنها ومنشآتها الحيوية (المطارات، محطات الطاقة) التي باتت في مرمى الصواريخ والمسيرات، وهو تحول استراتيجي يضع مفهوم “الأمن القومي” الإسرائيلي في مأزق.
 السيناريوهات المتوقعة 
بناءً على التطورات الميدانية والسياسية حتى مطلع عام 2026، تتبلور السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الصراع وبقاء إسرائيل بين مسارات التسوية والصدام الوجودي الشامل:
1. سيناريو “الاستنزاف المزمن” (المرجح حالياً)

يعتمد هذا السيناريو على استمرار القتال بوتيرة متوسطة دون حسم عسكري كامل، وهو ما يُعرف بسياسة “قص العشب”.

عسكرياً: بقاء قوات الجيش الإسرائيلي في نقاط استراتيجية داخل غزة وجنوب لبنان لضمان مناطق عازلة، مع استمرار العمليات الخاطفة.

داخلياً: تزايد الضغط على قوات الاحتياط وتعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بسبب طول أمد الحرب.

2. سيناريو “التصعيد الإقليمي الشامل” (الأكثر خطورة)

يفترض هذا المسار انزلاق المواجهة إلى حرب مباشرة وواسعة تشمل أطرافاً إقليمية كبرى.

المواجهة المباشرة: تحول الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران إلى حرب تدميرية تستهدف المنشآت الحيوية والنووية.

الجبهات المتعددة: انفجار الأوضاع بشكل كامل في لبنان وسوريا واليمن في وقت واحد، مما يضع إسرائيل أمام تهديد وجودي لم يعهده أمنها القومي من قبل.

3. سيناريو “التسوية الكبرى” (المسار الدبلوماسي)

يرتبط هذا السيناريو بحدوث تغيير في الإدارات السياسية (خاصة في واشنطن) أو وصول الأطراف لحافة الانهيار.

اتفاق غزة: التوصل لاتفاق شامل لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، قد يتضمن إدارة دولية أو عربية مؤقتة للقطاع.

تهدئة الشمال: تفعيل القرار 1701 في لبنان بضمانات دولية صارمة لابعاد حزب الله عن الحدود مقابل انسحاب إسرائيلي.

4. سيناريو “التآكل الداخلي” (التهديد الصامت)

يركز هذا السيناريو على أن الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج بل من انهيار العقد الاجتماعي الإسرائيلي.

 الهجرة العكسية: استمرار نزيف الكفاءات والمستوطنين إلى الخارج (سجل عام 2025 مغادرة أكثر من 69 ألف إسرائيلي).

الانقسام السياسي: وصول الصراع بين التيار اليميني المتطرف والتيار الليبرالي/الأمني إلى طريق مسدود قد يؤدي إلى شلل مؤسسات الدولة.

يتوقف ترجيح أحد هذه السيناريوهات على قدرة إسرائيل على ترميم “قوة الردع” التي تآكلت، ومدى استمرار الدعم العسكري والمادي الأمريكي المطلق في ظل التحولات السياسية الدولية المتسارعة.