كيف أصبح الاعتراف العالمي بفلسطين انتصارا لحق مسلوب؟
صلاح حسن إبراهيم يكتب
- dr-naga
- 19 أكتوبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الاحتلال, القضية الفلسطينية, انتهاكات, غزة, فلسطين
في لحظة فارقة من تاريخ الدبلوماسية الدولية، لم يعد الاعتراف بدولة فلسطين مجرد قرار سياسي، بل أصبح صوتا عالميا يصدح بضرورة إنهاء واحد من أطول فصول الظلم في العصر الحديث.
إن الموجة المتنامية من الاعترافات الدولية هي قبل كل شيء انتصار لصمود شعب عانى لعقود من الزمن تحت وطأة الاحتلال، وهي شهادة حية على أن الحق الفلسطيني، مهما طال تغييبه، لا يموت.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية الآن هو إقرار بحق هذا الشعب في الحياة بكرامة وحرية على أرضه، ورفض قاطع لسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية
ضمير العالم يستيقظ على أنقاض الظلم
لم تأتِ الخطوات الشجاعة التي اتخذتها دول وازنة مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج من فراغ؛ لقد جاءت كرد فعل مباشر على مشاهد القهر والتهجير وسلب الأراضي، التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بشكل ممنهج.. هي صرخة ضمير أمام معاناة إنسانية طالت، حيث يواجه الفلسطينيون يوميا سياسات الفصل العنصري، والحصار الخانق، والاعتداءات المتكررة على أرواحهم ومقدساتهم.
هذا التحول في المواقف الدولية يعكس إدراكا متزايدا بأن الصمت لم يعد خيارا، وأن الوقوف على الحياد هو تواطؤ مع الجلاد ضد الضحية.
فالاعتراف بالدولة الفلسطينية الآن هو إقرار بحق هذا الشعب في الحياة بكرامة وحرية على أرضه، ورفض قاطع لسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية.
من الرمزية إلى القوة: أبعاد إستراتيجية لإنهاء الاحتلال
إن الأهمية القصوى لهذه الاعترافات تكمن في قدرتها على تجريد الاحتلال الإسرائيلي من شرعيته المزعومة…
على الصعيد القانوني، يمنح الاعتراف فلسطين أساسا صلبا لملاحقة جرائم الحرب وانتهاكات القانون الدولي، ويضع قادة الاحتلال أمام مسؤولياتهم الجنائية.
وعلى الصعيد السياسي، تفكك هذه الموجة جدار العزلة الذي فُرض طويلا على القضية الفلسطينية، وتزيد من الخناق الدبلوماسي على الاحتلال الإسرائيلي وداعميه، الذين يقفون اليوم في مواجهة أغلبية ساحقة من دول العالم؛ إذ لم يعد بإمكانهم الاختباء خلف ذرائع سياسية واهية… هذا الزخم يعيد تعريف موازين القوى، ويؤكد أن زمن الإفلات من العقاب قد بدأ بالأفول.
أما على الصعيد الإنساني- وهو الأهم- فإن كل اعتراف جديد هو رسالة مباشرة لكل طفل وشيخ وامرأة فلسطينية بأن معاناتكم مسموعة، وأن نضالكم من أجل البقاء والحرية ليس منسيا. وبالتالي، فهذا الاعتراف هو ضوء يخترق عتمة الظلم، ويجدد الأمل في إمكانية تحقيق العدالة.
لا شك أن الاعتراف الدبلوماسي وحده لا يرفع الحصار ولا يعيد المهجرين ولا يوقف الاستيطان؛ لكنه خطوة حاسمة وضرورية لبناء الضغط الدولي اللازم لإجبار الاحتلال على الامتثال للقانون الدولي
حقيقة راسخة: شعب يناضل من أجل الوجود
مع اعتراف أكثر من 145 دولة في الأمم المتحدة، لم تعد قضية فلسطين مجرد ملف في أروقة السياسة، بل أصبحت قضية شعب يناضل من أجل حقه الأصيل في الوجود وتقرير المصير، وإنهاء عقود من القهر تحت احتلال عسكري غاشم.
إن هذا الإجماع العالمي الساحق يعيد كتابة السردية، وينتزعها من رواية “النزاع بين طرفين” إلى حقيقتها الجوهرية: قصة شعب يقاوم محاولات محو هويته وتاريخه.
نحو فجر الحرية
لا شك أن الاعتراف الدبلوماسي وحده لا يرفع الحصار ولا يعيد المهجرين ولا يوقف الاستيطان؛ لكنه خطوة حاسمة وضرورية لبناء الضغط الدولي اللازم لإجبار الاحتلال على الامتثال للقانون الدولي، وإنهاء وجوده غير الشرعي.
إن هذا الزخم المتصاعد هو بداية النهاية لغطرسة القوة، وبداية بزوغ فجر جديد طال انتظاره، فجر يستعيد فيه الشعب الفلسطيني حقه في بناء دولته الحرة والمستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس، وتُطوى فيه صفحة الظلم إلى الأبد.
# صلاح حسن إبراهيم
المصدر: الجزيرة