كيف أحكمت “الصين” قبضتها على صناعة السفن عالمياً؟

الذكاء الاصطناعي في أحواض البناء

في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية واقتصادية كبرى، تواصل “الترسانات الصينية” فرض إيقاعها على البحار.
كشفت البيانات الرسمية لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية،مطلع عام 2026، عن احتفاظ البلاد بالمركز الأول عالمياً للسنة الـ16 على التوالي، مستحوذة على 69% من الطلبات العالمية الجديدة.
ولم يكن هذا التفوق وليد الصدفة، بل نتاج “مثلث قوة” يرتكز على المحاور التالية:
* الذكاء الاصطناعي في أحواض البناء
لم تعد المنافسة الصينية تعتمد على العمالة الكثيفة فقط، بل انتقلت إلى “الأتمتة الكاملة”. في فبراير 2026، سجلت أحواض بناء السفن الصينية طفرة في الإنتاجية بنسبة 25% بفضل دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في جدولة الإنتاج والخدمات اللوجستية. هذا التحول الرقمي سمح بتقليص زمن بناء السفن المعقدة، مثل السفن السياحية الضخمة، بنحو 8 أشهر مقارنة بالمعايير السابقة.
 * الريادة في “السفن الخضراء” وعالية القيمة
نجحت الصين في كسر احتكار المنافسين للسفن ذات التقنية العالية. ففي عام 2025، تصدرت الصين العالم في 16 نوعاً من أصل 18 نوعاً رئيسياً من السفن.

-التحول الأخضر: استحوذت الصين على أكثر من 70% من طلبات “السفن الخضراء” (التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال والميثانول).

-ناقلات الغاز المسال (LNG): سلمت شركة “هودونغ-تشونغهوا” الصينية ناقلتها الستين للغاز المسال في فبراير 2026، مما يعزز قدرة الصين على منافسة كوريا الجنوبية في هذا القطاع الحيوي.

* تحصين الصناعة ضد الضغوط الخارجية
رغم الرسوم الجمركية والقيود التي حاولت واشنطن فرضها على القطاع البحري الصيني في أواخر عام 2025، أظهرت الصناعة “مرونة فائقة”. وبدلاً من التراجع، ردت الصين بإجراءات مضادة واستمرت في تعزيز “المحتوى المحلي” في صناعة السفن ليصل إلى مستويات قياسية، مما جعل سلاسل الإمداد الصينية الأكثر تكاملاً واستقلالية في العالم.
أرقام تعكس الهيمنة الصينية (إحصائيات 2025/2026)
بناءً على التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية (MIIT) في فبراير 2026،كانت الأرقام التفصيلية التي تجسد الهيمنة الصينية على هذا القطاع الاستراتيجي بنهاية عام 2025 ومطلع عام 2026:
1. المؤشرات الثلاثة الكبرى (عام 2025 كاملاً)
حققت الصين المركز الأول عالمياً في جميع المؤشرات الرئيسية الثلاثة، وهي المقياس الرسمي لقوة صناعة السفن :
  • حجم الإنتاج (التسليمات): أنجزت الصين بناء سفن بإجمالي 53.69 مليون طن من الوزن الساكن (DWT)، بزيادة قدرها 11.4% عن عام 2024، وهو ما يمثل 56.1% من إجمالي الإنتاج العالمي.
  • حجم الطلبات الجديدة: سجلت الصين طلبيات ضخمة بلغت 107.82 مليون طن، مستحوذة على حصة سوقية عالمية كاسحة بلغت 69% .
  • الطلبات قيد التنفيذ (Backlog): بنهاية ديسمبر 2025، وصلت الطلبات المتراكمة في الأحواض الصينية إلى 274.42 مليون طن (زيادة بنسبة 31.5% سنوياً)، لتسيطر بذلك على 66.8% من إجمالي السوق العالمي .
2. التنوع والسيادة النوعية
لم تعد الصين تبني السفن البسيطة فقط، بل تهيمن على الأنواع المتقدمة :
  • تنوع الأسطول: تصدرت الصين العالم في الطلبات الجديدة لـ 16 نوعاً من أصل 18 نوعاً رئيسياً من السفن التجارية (بما في ذلك ناقلات النفط الضخمة، وسفن الحاويات العملاقة، وناقلات الصب).
  • السفن الخضراء: استحوذت الصين على أكثر من 70% من الطلبات العالمية للسفن التي تعمل بالطاقة البديلة (الغاز الطبيعي المسال والميثانول) في عام 2025.
  • السفن السياحية الكبيرة: في يناير 2026، دخلت السفينة السياحية الثانية المصنوعة محلياً “أدورا فلورا سيتي” مرحلة البناء السريع، مما يثبت قدرة الصين على منافسة أوروبا في هذا القطاع المعقد.
3. المقارنة مع المنافسين (2025/2026)
توضح الأرقام الفجوة الكبيرة بين الصين وأقرب منافسيها :
  • الصين: 69% من الطلبات الجديدة.
  • كوريا الجنوبية: رفعت حصتها إلى 21.6% في 2025 (مركزةً على سفن الغاز المسال عالية القيمة لتعويض الفارق الكمي).
  • اليابان وبقية العالم: يتقاسمون النسبة المتبقية الضئيلة، حيث تتركز القوة البحرية العالمية حالياً في “مثلث شرق آسيا” بنسبة تتجاوز 93%، والصين هي رأس هذا المثلث.
4. الأداء المالي (2025)
  • الإيرادات: حققت الشركات الرئيسية في قطاع بناء السفن الصيني إيرادات تشغيلية بلغت حوالي 650 مليار يوان (ما يعادل 90.4 مليار دولار) بزيادة تقارب 15% عن العام السابق.
  • الأرباح: قفزت الأرباح الإجمالية للقطاع بنسبة تزيد عن 100% نتيجة التحول نحو السفن عالية القيمة وانخفاض تكاليف المواد الخام (الفولاذ) محلياً.
 بينما تستعد الصين لتنفيذ خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، يبدو أن قطاع بناء السفن لن يكتفي بالصدارة الكمية، بل يطمح للتحول إلى “مختبر عالمي” للابتكار البحري الأخضر والذكي.