كندا تتجه شرقًا.. تقارب مع الصين وتحدٍ لسياسات ترامب
علامة فارقة في السياسة التجارية الدولية
- السيد التيجاني
- 17 يناير، 2026
- تقارير
تشهد السياسة الخارجية الكندية تحولًا لافتًا مع إعلان تفاهمات جديدة مع الصين تشمل تخفيضات جمركية وتسهيلات في التأشيرات، في خطوة تعكس سعي أوتاوا لتنويع شراكاتها الاقتصادية في ظل توتر متزايد مع الولايات المتحدة.
هذه التطورات تأتي في سياق عالمي مضطرب، حيث أعادت السياسات التجارية الحمائية التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسم ملامح العلاقات بين واشنطن وحلفائها التقليديين، وعلى رأسهم كندا.
خلفية التوتر: سياسات ترامب والاستفزاز التجاري
منذ عودة الخطاب التجاري المتشدد لترامب، واجهت كندا ضغوطًا مباشرة عبر فرض رسوم جمركية وتهديدات بإجراءات اقتصادية إضافية.
أوتاوا اعتبرت هذه السياسات “غير ودية” وتمسّ بمبدأ الشراكة الاستراتيجية داخل أمريكا الشمالية.
مسؤولون كنديون وصفوا الخطاب الأمريكي بأنه تصعيدي، ويقوّض الثقة المتبادلة التي بُنيت على مدى عقود.
الاتفاق مع الصين: ملامح اقتصادية ودبلوماسية
التفاهمات الكندية–الصينية تشمل تخفيف قيود جمركية على عدد من السلع، إلى جانب إجراءات لتسهيل دخول المواطنين الكنديين إلى الصين دون تأشيرة لفترات قصيرة.
وتراهن أوتاوا على أن هذه الخطوات ستعزز حركة التجارة والسياحة والاستثمار، وتفتح منافذ جديدة أمام الصادرات الكندية، خاصة في قطاعات الزراعة والطاقة والتكنولوجيا.
رسالة سياسية غير مباشرة إلى واشنطن
يرى محللون أن التقارب مع بكين يحمل رسالة سياسية واضحة للولايات المتحدة مفادها أن كندا ليست أسيرة لسوق واحدة، وأن لديها بدائل استراتيجية.
وقال الخبير الاقتصادي الكندي دانيال بيليك إن “كندا تستخدم الدبلوماسية الاقتصادية للضغط غير المباشر على واشنطن، دون الدخول في مواجهة مباشرة”.
ردود الفعل داخل كندا: ترحيب وتحفّظ
في الداخل الكندي، قوبلت الخطوة بترحيب من أوساط الأعمال، التي رأت فيها فرصة لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على السوق الأمريكية.
في المقابل، عبّرت أصوات سياسية عن قلقها من توسيع التعاون مع الصين، محذّرة من تبعات استراتيجية وأمنية محتملة، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
واشنطن تراقب بقلق
في الولايات المتحدة، أبدت دوائر سياسية واقتصادية انزعاجها من الخطوة الكندية.
مسؤولون سابقون في إدارة ترامب اعتبروا أن فتح السوق الكندية أمام الصين “يقوّض الجبهة الغربية الموحدة” في مواجهة بكين.
ويرى محللون أمريكيون أن هذا التقارب قد يضعف نفوذ واشنطن داخل أمريكا الشمالية.
بكين: ترحيب وشراكة طويلة الأمد
الصين رحبت بالتفاهمات الجديدة، ووصفتها بأنها “خطوة إيجابية تعكس عقلانية كندا واستقلال قرارها الاقتصادي”.
وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن بكين ترى في كندا “شريكًا موثوقًا يمكن البناء معه على أسس المنفعة المتبادلة وعدم التسييس”.
ردود الفعل الأوروبية: فهم وتحذير
في أوروبا، عبّر مسؤولون عن تفهّمهم للموقف الكندي.
وقال دبلوماسي أوروبي في بروكسل إن “السياسات التجارية الأمريكية تدفع حتى أقرب الحلفاء للبحث عن بدائل”.
لكن في الوقت نفسه، حذّرت بعض الدول الأوروبية من الإفراط في الاعتماد على الصين دون ضمانات واضحة.
آسيا والمحيط الهادئ: مراقبة دقيقة
دول آسيا والمحيط الهادئ تابعت التقارب باهتمام، خصوصًا اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين ترتبطان بعلاقات اقتصادية قوية مع كل من كندا والولايات المتحدة.
ويرى خبراء آسيويون أن الخطوة قد تشجّع دولًا أخرى على إعادة تقييم علاقاتها التجارية مع واشنطن.
التداعيات الاقتصادية: فرص ومخاطر
اقتصاديًا، من المتوقع أن تستفيد كندا من توسيع أسواقها وتقليل أثر أي عقوبات أو رسوم أمريكية مستقبلية.
لكن في المقابل، يحذر خبراء من مخاطر تتعلق بالمنافسة غير المتكافئة، واحتمال تأثر الصناعات المحلية بتدفق السلع الصينية.
إعادة رسم التحالفات التجارية
ما يحدث لا يقتصر على كندا وحدها، بل يعكس اتجاهًا عالميًا أوسع نحو إعادة تشكيل التحالفات التجارية، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
السياسات الحمائية الأمريكية دفعت شركاء واشنطن إلى تبني استراتيجيات أكثر استقلالية ومرونة.
عالم متعدد الخيارات
يمثل التقارب الكندي–الصيني علامة فارقة في السياسة التجارية الدولية، ورسالة واضحة بأن عصر الاعتماد الأحادي يقترب من نهايته.
وبينما تسعى كندا لحماية مصالحها الاقتصادية، تبقى التحديات قائمة في الموازنة بين الشراكات الجديدة والعلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، في عالم يشهد إعادة توزيع مستمرة للقوة والنفوذ.