كذلك علماء الأحزاب!!
د. فيصل بن علي البعداني يكتب
- dr-naga
- 19 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
العالِم بالله، العالِم بأمره، من صفاته الأساس: التجرد للحق، والعناية بتبليغه، وهداية الناس به.
فمَن جَهِل فتعالم، وقال على الله بلا علم، فليس بعالِم، بل رأسُ فتنةٍ وضالٌّ مُضلٌّ؛ لأن واجبه التعلُّم، لا التصدُّر لمنصب الإفتاء والتعليم.
ومن عَلِم، ولكن كذَب على الله، واتبع هواه، فأفتى الناس وعلَّمهم بخلاف ما يعلم، مُجاراةً لسلطة أو حاكم، أو مُجاراةً لحزب أو جماعة أو أهل منطقة أو غيرهم، فهو رأسُ فتنةٍ، وضالٌّ مُضلٌّ أيضًا.
وكِلا الصنفين في الهوى والإضلال سواء، وبخاصةٍ في ظل عدم تمييز كثير من العامة وأنصاف المثقفين بين: عالِم ومُتعالِم، وفقيهٍ محققٍ وخطيبٍ واعظ، ومستدلٍّ قبل أن يُقرِّر، ومُقرِّرٍ قبل أن يستدل.
والعجيب في أزمنتنا هذه، أن كثيرًا من متصدري المشهد الدعوي: حادُّ اللسان، شديدُ القسوة، عنيفٌ في إسقاطه لمن يسميهم “علماء سلطان”، مع أن كثيرًا ممن يوصمون بذلك-ولست في سياق الدفاع عن أحد أبدا-: علماءٌ محقِّقون أثبات، أفنَوا أعمارهم في أخذ العلم عن أهله، وفي تعليمه وبثه بين الناس، فبادر إلى إسقاطهم من نفوس أبناء الصحوة، لمجرّد إنكارهم عليه بعض اجتهاداته، أو مخالفتهم له في بعض مواقفه من سياسة هذا الحاكم أو ذاك.
وفي المقابل تجده أعجمُ اللسان، أعشى العينين، أصمُّ الأذنين، عن صنفٍ آخر من المنتسبين للعلم والدعوة، الذين أخذوا على عاتقهم أيضًا تلبيس الحق بالباطل، وكثيرٌ مما يقومون به هو التبرير لاجتهادات جماعاتهم، والتطبيل المطلق لقادتها والمنتسبين إليها تحت أردية العلم، بل ومعاملتها كأنها هي الدين ذاته، والأمة بأجمعها؛ فقولها صواب، واجتهادها حق، ومخالفتها ضلال، بل وطعنٌ في الملة، ومعارضةٌ للشرعة.
مع أن المتقرر في القواعد أن العصمة لنص الوحي المطهَّر، وأن الحجة القاطعة بالإجماع وحده، لا برأي جماعة من جماعات الناس، وأن كل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُترك، إلا قدوتنا رسول الله ﷺ، وأن كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون، وأن النصيحة واجبة لكل لأحد، لا التعدي بالتجني والإسقاط، وأن الغيرة على الدين تقتضي عدم التفريق بين المتفقين في ركوب موجة الهوى، أيًّا كان اتجاه هواهم: سلطة أو جماعة.
وهو ما يجب على كل عالم قادرٍ إنكاره، والحث على رفع الصوت بالمطالبة بإصلاحه، قبل أن يتسع الخرق على ركاب سفينة جماعات الدعوة فتغرق، والله تعالى يقول: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
والله الهادي.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية