كارلسون ينسف فكرة الدولة المختارة

بقلم: السيد التيجاني

أكتب اليوم وأنا أتابع الجدل الواسع الذي أثاره الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون حول الأسس الفكرية للصهيونية، ومفهوم “الدولة اليهودية”، وفكرة “الشعب المختار” حين تُستدعى إلى ساحة السياسة الحديثة. لا أتعامل مع التصريحات باعتبارها مجرد موقف إعلامي عابر، بل أراها نافذة لكشف تحولات أعمق في الخطاب الغربي تجاه واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم.

أنا لا أكتب بدافع الانفعال، بل بدافع التفكيك. حين يتحدث كارلسون عن ضرورة إخضاع الدعم الأمريكي لإسرائيل للنقاش والمراجعة، فهو في تقديري لا “ينسف” شعبًا أو دينًا، بل يضع مشروعًا سياسيًا تحت مجهر المساءلة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية النقاش: هل يمكن لأي دولة أن تبقى خارج دائرة النقد لأنها تستند إلى سردية دينية أو تاريخية خاصة؟

من وجهة نظري، الدولة الحديثة – كما تعلّمنا في النظريات السياسية – تقوم على عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين، لا على امتيازات مستمدة من نصوص مقدسة أو روايات تاريخية. حين تدخل مفاهيم الاصطفاء الإلهي إلى المجال السياسي، فإنها تمنح قداسة لقرارات بشرية، وتجعل مساءلتها أقرب إلى المحظور. وهذا ما أراه إشكاليًا، ليس فقط في الحالة الإسرائيلية، بل في أي تجربة مشابهة.

أتأمل في التجربة الغربية ذاتها؛ أوروبا التي خاضت حروبًا دينية طاحنة، ثم انتهت إلى ترسيخ فكرة الدولة المدنية التي تفصل بين الإيمان الشخصي وإدارة الشأن العام. لذلك أجد في طرح كارلسون مفارقة لافتة: كيف يمكن للغرب أن يروّج عالميًا لقيم العلمانية السياسية، ثم يتعامل باستثناء واضح مع دولة تقوم في تعريفها الرسمي على أساس ديني؟

حين أتحدث عن إسرائيل، فإنني أميز بين المجتمع المتنوع داخلها، وبين الإطار الأيديولوجي الذي نشأت فيه. لا أخلط بين اليهودية كدين سماوي عريق، وبين الصهيونية كمشروع قومي حديث ظهر في سياق أوروبي محدد أواخر القرن التاسع عشر. هذا التمييز بالنسبة لي أساسي، لأن الخلط بينهما يُغلق باب الحوار ويحوّل أي نقد سياسي إلى اتهام أخلاقي.

أفكر طويلًا في مفهوم “الشعب المختار” حين يُستدعى في النقاشات السياسية. هذا المفهوم في سياقه الديني يحمل دلالات روحية، لكنه حين يتحول إلى مبرر لسياسات أو امتيازات جيوسياسية، يصبح مادة سجالية قابلة للتأويل والتوظيف. هنا لا أهاجم عقيدة، بل أسأل: هل يحق لأي دولة أن تستند إلى خطاب ديني يمنحها موقعًا استثنائيًا في النظام الدولي؟

كارلسون – كما أفهم خطابه – لا يطالب بإلغاء دولة، ولا بنزع شرعية وجودها، بل يدعو إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة الأمريكية بها. وأنا أرى أن هذا الطرح، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، يعكس تحولًا مهمًا داخل بعض الأوساط المحافظة في الولايات المتحدة. لم يعد الدعم لإسرائيل مسألة إجماع صلب كما كان لعقود، بل أصبح موضوعًا للنقاش العام.

من زاويتي ككاتب عربي، أرى أن هذا التحول يكشف هشاشة السرديات حين تواجه أسئلة المصالح الواقعية. السياسة في النهاية ليست نصًا مقدسًا، بل شبكة مصالح متغيرة. وإذا كانت واشنطن تراجع علاقاتها مع حلفاء آخرين وفق حسابات الكلفة والعائد، فلماذا تُستثنى إسرائيل من هذا المنطق؟

لكنني في الوقت نفسه أرفض اختزال المسألة في خطاب عاطفي أو تصادمي. لا يمكن تجاهل السياق التاريخي الذي تشكلت فيه إسرائيل، ولا معاناة اليهود في أوروبا، ولا التعقيدات الأمنية التي تحيط بالمنطقة. غير أن فهم التاريخ لا يعني تجميد الحاضر. ما كان مبررًا في لحظة تأسيس، قد لا يكون مقنعًا بعد مرور عقود طويلة.

أؤمن أن القضايا الكبرى تبدأ من سؤال فردي: ماذا أرى أنا؟ أنا أرى أن أي مشروع سياسي يستند إلى فكرة التفوق أو الاصطفاء يظل عرضة للانتقاد في عالم يسعى – نظريًا على الأقل – إلى المساواة بين الدول والشعوب. وأرى أن النقد السياسي لا ينبغي أن يُخلط بالكراهية الدينية، لأن ذلك يضر بالنقاش العقلاني.

ألاحظ أيضًا أن الجدل حول تصريحات كارلسون لم يكن أكاديميًا بحتًا، بل انقسم بين من اعتبره شجاعًا في كسر “تابو” سياسي، ومن رآه منساقًا نحو خطاب خطير. هذا الانقسام بحد ذاته مؤشر على تغير المزاج العام. حين تصبح المسلمات قابلة للنقاش، فهذا يعني أن البيئة الفكرية تتحول.

في تقديري، السؤال الأهم ليس: هل نسف كارلسون الفكرة الصهيونية؟ بل: لماذا أصبح ممكنًا أصلًا طرح هذا السؤال في الإعلام الأمريكي السائد؟ ما الذي تغيّر في الداخل الأمريكي؟ هل هي تحولات ديموغرافية؟ أم إرهاق من الحروب الخارجية؟ أم صعود تيارات انعزالية ترى أن الأولوية يجب أن تكون للشأن الداخلي؟

أنا أميل إلى الاعتقاد بأن المسألة مركبة. هناك تعب أمريكي من الانخراط المفتوح في أزمات الشرق الأوسط، وهناك جيل جديد لا يحمل نفس الارتباط العاطفي بالتحالفات القديمة. في هذا السياق، تصبح إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل جزءًا من مراجعة أوسع لدور الولايات المتحدة عالميًا.

ومع ذلك، أعود لأؤكد أن أي نقاش حول “الدولة المختارة” يجب أن يبقى في إطار سياسي وفكري، لا أن ينزلق إلى خطاب عدائي تجاه اليهود كأفراد أو جماعات. فالمجتمعات لا تُحاسَب على معتقداتها، بل تُناقَش سياساتها. وهذه قاعدة أتمسك بها وأنا أكتب.

في النهاية، أرى أن ما فعله كارلسون ليس هدمًا بقدر ما هو زعزعة لليقين. هو لم يُنهِ فكرة، لكنه فتح بابًا لأسئلة كانت تُهمس في الكواليس وأصبحت تُقال علنًا. بالنسبة لي، هذه الأسئلة أهم من الإجابات الجاهزة. لأن السياسة التي تخشى السؤال، تتحول سريعًا إلى عقيدة مغلقة.

أكتب هذه السطور وأنا مدرك لحساسية الموضوع، لكنني أؤمن أن النضج السياسي يبدأ من القدرة على الفصل بين الإيمان الشخصي والمشروع العام، بين الهوية الدينية وبنية الدولة، بين التاريخ والواقع. وإذا كان العالم يتغير، فمن الطبيعي أن تتغير معه السرديات الكبرى، أو على الأقل تُعاد صياغتها تحت ضوء النقد.

هذا هو جوهر ما أراه: ليس إسقاطًا لدولة، ولا تبنيًا لخطاب صدامي، بل دعوة مفتوحة للتفكير. وحين تهتز السرد، لا يعني ذلك سقوط الحقيقة، بل ربما بداية البحث عنها من جديد.