كارثة السودان: فيضانات وانهيارات تتفاقم في ظل الحرب
مع الصراع المستمر
- السيد التيجاني
- 30 سبتمبر، 2025
- تقارير
- السودان, دارفور, فيضانات وانهيارات
منذ نهاية موسم الأمطار، تشهد السودان تصاعدًا غير مسبوق في الفيضانات والانهيارات الأرضية، ما يزيد من حجم الكارثة الإنسانية المتداخلة مع الصراع المستمر بين القوات النظامية وقوات الدعم السريع. في ولايات دارفور، النيل، الجزيرة وغيرها، تضرّرت مئات القرى والمنازل، وشُرّدت آلاف الأسر، بينما تكافح الجهات المحلية والدولية لإيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر تضررًا.
دارفور: قرية “تاراسين” تُمحى وتُخلف وراءها كارثة إنسانية
في أقصى غرب دارفور، في جبال المَرَّه، دُمّرت قرية تاراسين بالكامل بعد أن ضربها انهيار أرضي شامِل مساء 31 أغسطس، نتيجة أمطار غزيرة دام تأثيرها لعدة أيام. التنظيم المحلي المعارض “حركة تحرير السودان/الجيش” (SLM/A) صرّح أن الكارثة راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص، فيما نجى شخص واحد فقط.
انعدام البُنى التحتية، صعوبة الوصول إلى المكان، والأحوال الجوية جعلت من التعرف على ملائمة الأرقام الرسمية مهمة شبه مستحيلة، كما أنّ المواطنين اضطرّوا للبحث عن ذويهم بأيديهم عبر الركام..
الفيضانات في الولايات الوسطى والشمالية: خسائر بنّاءة وبشرية
إلى جانب دارفور، شهدت ولايات مثل الجزيرة والنيل ونهر النيل وفي سنار خسائر كبيرة:
في ولاية الجزيرة، تكوّنت فيضانات ضخمة بعد أمطار غزيرة، فُقدت أو دُمّرت نحو 550 منزلًا في قرية “أم القرى” (Umm al-Qura)، واضطر أكثر من 4,200 شخص إلى النزوح.
في ولاية نهر النيل، أُعلن عن وفاة ما لا يقل عن 14 شخصًا نتيجة انهيارات بيوتهم وسقوط أجزاء منها، إضافة إلى آلاف المتضررين من خسارة المسكن والممتلكات.
في بلدة شندي وغيرها من المناطق، تدفقت مياه الأمطار إلى داخل القرى، وأغرقت الطرق، وتسببت بانقطاع الكهرباء والمياه في بعض الأحيان، مما زاد من معاناة السكان وعرّضهم لتحديات في التنقل والحصول على المساعدة.
التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات
مع تدمير المساكن والبُنى التحتية الأساسية، تزايدت المخاوف من تفشي الأمراض المنقولة بالمياه والبعوض. الأوضاع الصحية هشّة خصوصًا في المناطق التي فقدت فيها الخدمات الأساسية:
البرك والمياه الراكدة التي خلفتها الفيضانات تُعتبر بيئة ممتازة لتكاثر البعوض، مما يزيد من خطر انتشار حمى الضنك والملاريا.
ضعف الرعاية الصحية مع اندثار الطرق والعزلة الجغرافية جعل من الصعب إيصال الفرق الطبية والأدوية إلى المتضررين، مما أدى إلى تأخر العلاج وتفاقم الأوضاع.
النازحون عديدون يعيشون في ملاجئ مؤقتة دون مظلات كافية، ودون وصول مستقر للمياه الصالحة للشرب أو المرافق الصحية، مما يفاقم خطر الإسهالات والأمراض المائية.
الأسباب: مناخية، بشرية، وهيكلية
تحصل الفيضانات والانهيارات في السودان سنويًا خلال موسم الأمطار الممتد من يونيو حتى أكتوبر. إلا أن هذه المرة، جاء الحدث أشد قوة بسبب:
كثافة الأمطار غير المتوقعة، خصوصًا في المناطق المرتفعة مثل جبال المَرَّه.
ضعف الصيانة والتخطيط في البنية التحتية المُخصّصة لتصريف مياه الأمطار والفيضانات.
تأثر واسع بسبب الحرب: النزاع المسلح قلّل من قدرة الحكومة على الصيانة والإعداد، وأدى إلى نزوح مسبق للكثيرين ما جعل استجابتهم أقل قدرة على التحرك عند وقوع الكوارث.
إدّعاءات متضاربة حول مساهمة سدّ النهضة في تفاقم مستويات مياه النيل الأزرق، إذ تقول إثيوبيا إنه ما زالت هناك جهود لتخفيف الضرر، بينما يخشى السودان من الإفراط في التخزين أو الإطلاق المفاجئ للمياه دون تنسيق.
استجابة الجهات الإنسانية والحكومية
تعمل الحكومة السودانية مع المنظمات الدولية والمحلية لتقديم مساعدات عاجلة، لكنها تواجه عدة عوائق:
وصول المستجيبّين للعون صعب جدًا في قرى مثل تاراسين، حيث التضاريس الوعرة وانقطاع الطرق والمطر المتواصل تعيق إرسال فرق الإنقاذ والمعدات.
المنظمات الدولية دعت إلى إغاثة عاجلة تُوفّر مأوى، طعامًا، مياهًا نظيفة، رعاية صحية، مع التركيز على الأطفال والنساء وكبار السن.
بعض الولايات أعلنت حالة طوارئ، وتعمل على تنسيق الجهود مع الأمم المتحدة لتوزيع المساعدات ومنع انتشار الأمراض.
رغم ذلك، الإمكانات المالية واللوجستية محدودة، وتدهور الأوضاع الأمنية في بعض المناطق يزيد من صعوبة العمل الإنساني.
ما يحتاجه المتضررون الآن
ولتخفيف حجم المعاناة، تُطرح بعض الأولويات:
1. إعداد ملاجئ مؤقتة آمنة، مع مخيمات تدفئة أو مظلات وملاجئ تحمي من الأمطار والبرد.
2. توفير خدمات الطوارئ الصحية: فرق متنقلة، مستلزمات طبية، تحصينات، لقاحات، وتحسين الوصول إلى مراكز الرعاية.
3. المساعدة الغذائية والمياه: توزيع الأغذية ذات القيمة الغذائية والمياه النظيفة ووسائل تنقية المياه.
4. إصلاح البُنى التحتية المُتضرّرة مثل الجسور والطرقات، وإعادة تأهيل الشبكات الأساسية للكهرباء والمياه.
5. تفعيل التحذير المبكر والمراقبة الهيدرولوجية لتوقع الفيضانات والانهيارات، وبناء قدرة مجتمعية على الاستجابة السريعة.
6. التنسيق الدولي، خاصة مع الدول المجاورة والمؤسسات المانحة، لتأمين التمويل والدعم التقني، وتسهيل الوصول إلى المناطق المنكوبة.
خلاصة مفجعة
ما شهدته السودان خلال الأسابيع الماضية ليس مجرد موسم أمطار عادي، بل كارثة تتداخل فيها عوامل المناخ، الصراع، والفقر. انهيار قري بالكامل، مئات الضحايا، آلاف المشردين، وتداعيات صحية واقتصادية جسيمة.
الأهم الآن ليس التوثيق فحسب، بل العمل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه—من الأرواح، الكرامة، والحياة. بدون استجابة عاجلة متكاملة، ستتفاقم الكارثة وتترك ندوبًا لا تمحى في مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة شديدة.