قراءة في رواية عادل كامل “مليم الأكبر”
- mabdo
- 13 أبريل، 2026
- تقارير
- الكاتب عادل كامل, روايات ادبية, ملك مصنوع من سمكة راي, مليم الاكبر
يمكن اعتبار رواية “مليم الأكبر”، التي ألفها عادل كامل، من الكلاسيكيات، على الرغم من أن العديد من القراء لم يسمعوا لا بالرواية ولا بمؤلفها.
تستكشف الرواية التي نُشرت لأول مرة عام 1942 تناقضًا صارخًا بين رجلين من خلفيات مختلفة تمامًا: شاب أمي يُدعى مليم (أي المليم، وهي وحدة نقدية تمثل جزءاً من ألف من الجنيه)، استغله والده للتسول، وخالد خورشيد، ابن قاضٍ تركي مصري رفيع المستوى، والذي عاد من إنجلترا ناقمًا على طبقته المتميزة، وخاصة والده، بعد اعتناقه المعتقدات الاشتراكية.
لم يُعلّم والد مليم ابنه بسبب الفقر المدقع، ولم يُعلّمه أي حرفة. بل استخدمه كأداة للتسول من الشباب في المقاهي نهاراً، بينما كان هو يبيع المخدرات ليلاً.
على النقيض من ذلك، كان والد خالد، أحمد باشا خورشيد، قاسياً وظالماً، يستولي باستمرار على أراضي الفلاحين، ويطرد الخدم، ويستغل الآخرين. وهناك أدلة قوية تشير إلى أنه ربما قتل والده ليرث بسرعة ويحرم شقيقاته من ميراثهن الشرعي. كما كانت طبيعته المتسلطة مصدراً لهشاشة شخصية خالد.
تمرد مليم على تربية والده وتعلم النجارة، مما قاده في النهاية إلى قصر أحمد باشا خورشيد، حيث التقى خالد. أثناء إصلاح نافذة، عثر مليم على محفظة تحتوي على 500 جنيه. اقترح خالد تقسيم المال، لكن مليم رفض. عندها اقترح خالد إعادته إلى الباشا، ظنًا منه أن مليم سيُكافأ على أمانته.
لكن الخطة فشلت فشلاً ذريعاً: اتهم عمر، شقيق خالد الأكبر، مليم بالسرقة واستولى على المال لنفسه. لم يتمكن خالد من الدفاع عن مليم في المحكمة، فحُكم على مليم بالسجن لمدة عام ونصف. أخبر خالد والده أن عمر سرق المال وأنه ينفقه على راقصة شرقية، لكن أحمد باشا الدنيء رفض تبرئة مليم، خوفاً على سمعته، وطرد خالد من القصر.
بعد إطلاق سراحه، التقى مليم بوالده، وسرعان ما التقى بناسيف، وهو مثقف عاطل عن العمل، والذي عرض عليه وظيفة في منزل مملوكي متداعٍ في شارع الخيامية بالقاهرة القديمة. كان نسيف قد استأجر المنزل من الحكومة وأجّره من الباطن لفنانين أجانب ومصريين ذوي نظرة غربية للحياة.
في هذه الأثناء، جرب خالد العيش على طريقة البدو بعد أن رأى مجموعة منهم في الجوار، فاشترى خيمة وماعزًا، وارتدى ملابس على طرازهم. لكنه تخلى عن الفكرة عندما كشف له والده أن والدته باعت منزلها قبل وفاتها. ردًا على ذلك، رفع خالد سلسلة من الدعاوى القضائية ضد والده، الذي رد بدوره برفع دعاوى قضائية في مختلف المحاكم المصرية.
عندما التقى خالد ومليم مجددًا، طلب خالد الصفح عن سجن مليم. إلا أن مليم خدعه وأوهمه بأن هانيا، الفنانة السريالية الألمانية المقيمة في منزل الخيامية، معجبة به. اتصلت هانيا لاحقًا بخالد، طالبةً منه أن يعطي مليم مالًا بسبب ضائقتها المالية.
انتاب خالد الشك، فتبع مليم إلى منزل الخيامية، حيث التقى بمجموعة من الملحدين والاشتراكيين الذين ألهموه توزيع منشورات سياسية. وبسبب سذاجته ومثاليته، صدّقهم تمامًا، فاعتُقل أثناء توزيعه المنشورات في مقهى. وفي السجن، اكتشف أن أكثر الشخصيات تطرفًا في المنزل كان في الواقع مخبرًا للشرطة. وأوضح له سجين آخر أن الطبقة العليا تتجاهل الطبقة الدنيا، التي تعيش في عالمها المنعزل.
بعد أربع سنوات، خلال الحرب العالمية الثانية، تعرضت القاهرة لقصف جوي من قبل ألمانيا النازية، وهو ما يصفه كامل بدقة. في ذلك الوقت، كانت هانيا متزوجة من مليم، الذي جمع ثروة طائلة من خلال عمله في سلاح الجو البريطاني، واتخذ اسم محمد عبد السلام ولقب بك. وعلى الرغم من نجاحه، ظل مليم متواضعًا ولطيفًا.
زاروا خالد في أحد الحانات بعد أن سمعوا أنه تصالح مع والده وأسقط جميع الدعاوى القضائية. فوجدوه وقد تحول إلى شخصٍ مُنغمس في الملذات، يعاني من زيادة الوزن، ومُحطّم نفسياً.
رغم أن خالد بدأ حياته بمزايا تفوق بكثير مزايا مليم، إلا أن مليم هو من نجح لأنه كان لديه هدف واضح: الحصول على المال الذي حُرم منه في طفولته. أما خالد، على النقيض، فكان مثالياً وحساساً، يفتقر إلى هدف محدد، وسرعان ما تحطمت أمام تحديات الحياة.
ثمة تباين آخر بين النساء: هانيا، الفنانة الأوروبية المرغوبة، ونمات، ابنة عم خالد السطحية، التي لا يهمها سوى إيقاع الرجال في حبها للزواج منها. ويخلص خالد إلى أن النساء المصريات، عموماً، سطحيات ولا يشغلهن بالدرجة الأولى سوى الزواج.
تدور أحداث الرواية بالكامل تقريباً في القاهرة، وهي مقسمة إلى جزأين، يتألف كل منهما من ثلاثة عشر فصلاً وخاتمة، وتُروى بضمير الغائب. تبدأ الرواية بمقدمة مطولة عن الأدب العربي، تُقدم على شكل حوار بين المؤلف وبطل الرواية.
إن معنى لقب “ماليم العظيم” غامض: فقد يشير إلى الوضع المهمش المبكر للبطل، حيث اضطر إلى التسول للحصول على المال، أو قد يدل على نجاحه اللاحق في التغلب على الفقر والمكانة الاجتماعية المتدنية.
تُصوّر الرواية المجتمع المصري بتنوع طبقاته الاجتماعية: الطبقة الدنيا من خلال مليم ووالده، والطبقة العليا من خلال أحمد باشا خورشيد وأبنائه، والطبقة الوسطى المثقفة من خلال نصيف وحاشيته. قد تبدو بعض المقاطع، ولا سيما تأملات نصيف الاشتراكية والوجودية، مُعقدة أو بطيئة القراءة.
كان عادل كامل صديقاً مقرباً لنجيب محفوظ، وقد عرّفه على الدائرة الأدبية، التي ضمت شخصيات بارزة في الأدب والسينما والصحافة. وفي عام 1943، فاز كلاهما بجوائز في المسابقة نفسها: كامل عن رواية ” ملك مصنوع من سمكة راي” ، ومحفوظ عن رواية “طيبة في الحرب” .
بعد أن شعر كامل بخيبة أمل لعدم حصول مليم الكبير على التقدير من أكاديمية اللغة العربية في القاهرة، توقف عن نشر الروايات وركز على مسيرته القانونية، معتقداً أن الأدب لا طائل منه.