قائمة الموت الأفغانية ورقة إيران للضغط في المفاوضات النووية

ضمن برنامج "المساعدة وإعادة التوطين".

في الأسابيع الأخيرة، طفت على السطح رواية خطيرة نشرتها صحيفة التلغراف البريطانية، تتحدث عن قيام قادة من الحرس الثوري الإيراني بطلب رسمي من حركة طالبان للحصول على قائمة حساسة تضم نحو 25 ألف أفغاني كانوا قد تعاونوا مع بريطانيا بعد عودة طالبان إلى الحكم عام 2021.

قائمة الموت

القائمة، التي سُمّيت إعلاميًا بـ”قائمة الموت”، لا تحتوي فقط على أسماء هؤلاء الأفغان، بل تشمل أيضًا أرقام هواتفهم وعناوين بريدهم الإلكتروني وحتى بيانات أسرهم،

بالإضافة إلى تفاصيل أكثر من مئة عنصر بريطاني  من القوات الخاصة والاستخبارات  الذين تولوا التحقق من هويات طالبي اللجوء ضمن برنامج “المساعدة وإعادة التوطين”.

وهنا يكمن البعد الأخطر: إذا وقعت هذه البيانات في أيدي الحرس الثوري، فإنها تتحول إلى أداة تعقّب واعتقال وربما ابتزاز دبلوماسي.

وبحسب الصحيفة، فإن إيران بالفعل ألقت القبض على أحد المهاجرين المدرجين في القائمة، ونقلته إلى معسكر ترحيل بانتظار تسليمه إلى طالبان. هذه الحادثة الصغيرة تسلّط الضوء على مصير آلاف آخرين باتوا مهددين عند أي محاولة للعبور إلى الأراضي الإيرانية.

لكن السؤال: لماذا الآن؟

الجواب يكمن في الملف النووي الإيراني. فالأوروبيون – بريطانيا، فرنسا، وألمانيا  حدّدوا تاريخ 30 أغسطس/آب الجاري كموعد نهائي لإلزام طهران بخطوات ملموسة نحو التهدئة، وإلا سيُفعِّلون ما يُعرف بـ”آلية الزناد”.

هذه الآلية، إن طُبّقت، ستعيد تلقائيًا جميع عقوبات مجلس الأمن الدولي التي رُفعت بموجب الاتفاق النووي عام 2015، وهو ما يعني حصارًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا جديدًا لإيران.

من هنا يبدو أن طهران تسعى لرفع كلفة المواجهة. فاعتقال مواطنين أجانب أو استغلال ملفات حساسة – مثل قضية اللاجئين الأفغان  يشكل ورقة ضغط على طاولة المفاوضات. هي رسالة غير مباشرة تقول: إذا واصلتم الضغط، سنفتح عليكم أبواب أزمات إنسانية وأمنية على حدودكم.

الخبراء يفسرون ما يحدث باعتباره جزءًا من لعبة “الضغط المتبادل”. الأوروبيون يمسكون بالعصا القانونية عبر مجلس الأمن، والإيرانيون يردون بعصا اجتماعية–أمنية عبر ورقة اللاجئين والاعتقالات.

في النهاية، الضحايا الحقيقيون هم أولئك الأفغان الذين خاطروا بحياتهم لمساعدة القوات الغربية، والذين تحولت بياناتهم اليوم إلى سلعة في بازار السياسة الدولية.

ومع اقتراب 30 أغسطس، يبقى المشهد معلقًا بين احتمالين: إما أن تُقدِّم إيران تنازلات شكلية تسمح للأوروبيين بتأجيل العقوبات، أو أن تُفتح صفحة جديدة من التصعيد، حيث ستُستَخدم “قائمة الموت” وأمثالها كجزء من ترسانة الضغط الإيرانية في مواجهة الغرب.

فمنذ أن كشفت التلغراف البريطانية تفاصيل ما عُرف بـ”قائمة الموت الأفغانية”، توالت ردود الأفعال الأممية والحقوقية بشكل متسارع، وكأنّ القضية لم تعد مجرد تسريب أمني، بل فضيحة إنسانية ذات أبعاد دولية.

الأمم المتحدة 

في جنيف، عبّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن “قلق بالغ” من استخدام بيانات طالبي لجوء لأغراض أمنية أو سياسية، مؤكدة أن أي تعاون من هذا النوع “يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ السرية والحماية الدولية للاجئين”.

المفوضية شددت على أن الدول المستقبِلة لطالبي اللجوء لديها التزام قانوني وأخلاقي بعدم تعريضهم للخطر، وهو ما قد يكون حدث بالفعل إذا تأكد تسليم القائمة لطهران.

أما المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران، فقد ذهب أبعد من ذلك، واعتبر أن “الاستغلال المحتمل لبيانات الأفغان يشكل شكلاً جديدًا من أشكال الاحتجاز التعسفي الجماعي”، محذرًا من أن أي عمليات ترحيل قسري ستُعتبر جريمة بموجب القانون الدولي.

الصعيد الحقوقي

على الصعيد الحقوقي، سارعت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى إصدار بيانات مشتركة، وصفت فيها ما يحدث بأنه “استخدام غير مسبوق للبشر كورقة مساومة سياسية”، وناشدت لندن بضرورة التحقيق في كيفية تسريب القائمة وحماية أصحابها من أي خطر وشيك.

ردود الفعل الشعبية

أما ردود الفعل الشعبية فكانت حادة. في بريطانيا، أشعلت الحادثة جدلاً واسعًا داخل المجتمع والبرلمان، حيث اعتبر كثير من قدامى المحاربين أن ما جرى “خيانة لحلفاء وقفوا إلى جانب القوات البريطانية في أحلك الظروف”. حملات على وسائل التواصل الاجتماعي وهاشتاغات مثل #SaveOurAfghanAllies تصدّرت تويتر، مطالبة الحكومة بتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه هؤلاء.

في أفغانستان نفسها، تباينت المواقف. بعض المواطنين في كابول رأوا أن ما يجري “عقاب طبيعي” للمتعاونين مع الغرب، بينما عبّر آخرون، خصوصًا من عائلات المتقدمين للجوء، عن رعب حقيقي من أن يتحولوا إلى أهداف سهلة لإيران أو طالبان.

دوليًا، أبدت واشنطن “انزعاجًا عميقًا” من المعلومات المتداولة، محذرة من أن أي استغلال إيراني لهذه البيانات “سيزيد من عزلة طهران”. بينما اكتفت باريس وبرلين بتأكيد التزامهما بحماية اللاجئين، لكنهما لم تُخفيا القلق من أن الملف قد يصبح ورقة إضافية في مفاوضات النووي.

اختبار أخلاقي

في النهاية، بات واضحًا أن “قائمة الموت” تجاوزت حدودها كوثيقة مسرّبة، لتتحول إلى اختبار أخلاقي وقانوني للمجتمع الدولي: هل يمكن حماية آلاف الأشخاص الذين وثقوا بحلفائهم الغربيين، أم أنهم سيسقطون ضحايا لعبة كبرى بين طهران والغرب؟.