فايننشال تايمز البريطانية: نحن في عصر داود لا جالوت

رأي صحيفة

يتجه العالم إلى مرحلة لا تكفي فيها القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها لضمان الانتصار. فالقوى الكبرى لا تزال تمتلك الجيوش الضخمة والتكنولوجيا المتقدمة والموارد المالية، لكن قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج سياسية ملموسة أصبحت أقل مما كانت عليه.

تقدم الحرب الأوكرانية مثالًا واضحًا على هذا التحول. فقد استطاعت أوكرانيا، رغم الفارق الكبير في الحجم والإمكانات بينها وبين روسيا، أن تعرقل أهداف موسكو لسنوات. ولم يكن التفوق الروسي كافيًا لحسم الحرب وفق الشروط التي أرادها الكرملين.

وتظهر مفارقة مشابهة في المواجهة الأمريكية مع إيران. فالقوة العسكرية الأمريكية الهائلة لم تضمن تحقيق النتائج السياسية التي أرادتها واشنطن بالسرعة المتوقعة، كما أن امتلاك القواعد العسكرية المتقدمة في الخليج لا يمنع تحول هذه القواعد إلى أهداف معرضة للهجمات.

وفي مناطق أخرى، واجهت القوى الكبرى حدود نفوذها. فقد اضطرت فرنسا إلى إنهاء مهمتها العسكرية في منطقة الساحل الأفريقي بعد سنوات من العمليات، بينما أظهرت دول أصغر قدرتها على مقاومة الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها عليها دول أكبر.

ليست هذه ظاهرة جديدة تمامًا. فقد شهد القرن الماضي إخفاق قوى استعمارية كبرى أمام خصوم أقل منها في الموارد العسكرية، وكان ذلك دليلًا على أن التفوق المادي لا يلغي أثر الإرادة المحلية أو صعوبة السيطرة على المجتمعات.

لكن ما يميز المرحلة الحالية هو تشتت مصادر القوة. فالدولة الأصغر قد تمتلك موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، أو خبرة تقنية لا يمكن الاستغناء عنها، أو قدرة على إحداث خسائر تجعل استمرار الضغط عليها مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت أدوات القوة تعقيدًا، لم يعد استخدامها مضمون النتائج. فقد تتحول العقوبات إلى حافز للبحث عن بدائل، وقد يؤدي الضغط العسكري إلى توحيد خصوم كان يمكن احتواؤهم بوسائل أقل تكلفة.

حتى التفوق التكنولوجي لا يترجم تلقائيًا إلى نفوذ سياسي. فالتقدم الأمريكي والصيني في الذكاء الاصطناعي، مثلًا، لا يعني أن كل دولة منهما تستطيع فرض إرادتها على الآخرين في جميع الملفات.

لم يعد العالم مقسمًا ببساطة بين قوى عظمى تستطيع إصدار الأوامر ودول صغيرة لا تملك سوى الامتثال. لقد أصبحت القوة موزعة على شبكات من المصالح والقدرات والقيود، وأصبح بوسع الأطراف الأضعف نسبيًا أن تعطل خطط خصومها الأقوى.

المغزى ليس أن العمالقة فقدوا قوتهم، بل أن هذه القوة أصبحت أصعب في التحويل إلى انتصار. ففي عالم اليوم، قد يستطيع داود أن يفرض على جالوت معركة طويلة ومكلفة، حتى إن لم يكن قادرًا على امتلاك قوته

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية

اترك تعليقا