فاينانشيال تايمز: ذا لاين.. بين طموح نيوم الضخم وواقع الصحراء القاسي
في ظل مزيج من الطموح المفرط والإصرار الحكومي
- السيد التيجاني
- 11 نوفمبر، 2025
- تقارير
- السعودية, ذا لاين, مشروع نيوم
في تقرير موسّع نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، تساءلت الصحيفة ما إذا كان مشروع «ذا لاين» (The Line)، الذي تصفه السعودية بأنه “مدينة المستقبل”، يواجه لحظة الحقيقة بعد إنفاق تجاوز 50 مليار دولار خلال بضع سنوات فقط، في مقابل نتائج محدودة على الأرض.
التقرير يرسم صورة مزيج من الطموح المفرط، والإصرار الحكومي، والضبابية الاقتصادية التي تكتنف المشروع الأضخم في الشرق الأوسط.
المدينة التي وُلدت من الخيال
حين أُعلن عن «ذا لاين» في عام 2021، بدا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى التخطيط العمراني. مدينة تمتد على خط مستقيم بطول 170 كيلومتراً، بارتفاع 500 متر، وعرض 200 متر فقط، بلا سيارات، ولا طرق، ولا انبعاثات كربونية.
وعدت الخطة ببناء مجتمع مستقبلي يسكنه أكثر من 1.5 مليون نسمة بحلول 2030، مدعوم بطاقة متجددة بالكامل ونظام ذكاء اصطناعي يدير كل تفاصيل الحياة اليومية.
لكن فاينانشيال تايمز تقول إن “الحلم بدأ يتكشّف عن واقعٍ معقّد، حيث تصطدم الرؤية الكبرى بأسوار المال والتقنية والوقت”.
50 مليار دولار على الرمال
بحسب الصحيفة، أنفقت السعودية حتى الآن قرابة 50 مليار دولار على أعمال التمهيد، من حفر الأنفاق إلى إنشاء الموانئ والمكاتب وإسكان العمال.
إلا أنّ هذه النفقات الضخمة لم تترجم بعد إلى إنجازات ملموسة. فالموقع الذي يُفترض أن يستضيف المدينة الخطّية العملاقة لا يظهر منه سوى مقاطع إنشائية محدودة لا تتجاوز بضعة كيلومترات.
وتقول الصحيفة إن المخطط الأصلي الذي كان يتحدث عن بناء متواصل بطول 170 كم، “يُراجَع الآن على نطاق ضيّق”، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن المرحلة الأولى قد تُختصر إلى أقل من 3 كم فقط.
التحولات داخل نيوم
في خضمّ هذا التباطؤ، كشفت فاينانشيال تايمز عن تغييرات إدارية رفيعة المستوى داخل مشروع نيوم. فقد أُعلن مؤخرًا عن استبدال المدير التنفيذي للمشروع، خطوة فسّرها محلّلون بأنها “محاولة لإنعاش” المسار الإداري وإعادة ضبط الإيقاع بعد تباطؤ التقدم.
وتضيف الصحيفة أن التبدلات القيادية ليست الأولى؛ إذ سبقتها مراجعات متكررة للمستشارين الفنيين والماليين، ما يعكس صعوبة إدارة مشروع بهذا الحجم والتعقيد في بيئة لا تحتمل الأخطاء.
الطموح سابق للواقع
ينقل التقرير آراء عدد من الخبراء الدوليين الذين أجمعوا على أن “ذا لاين” هو مشروع ثوري من حيث الرؤية، لكنه سابق لعصره من حيث الجدوى.
يقول الخبير الاقتصادي تيم كالن من المعهد العربي لدراسات الخليج: “نيوم لن تتوقف، لكن من المرجّح أن يُنفّذ المشروع على مدى أطول وبحجم أصغر بكثير مما خُطط له.”
ويضيف أن استمرار المشروع يعتمد على قدرة السعودية على تمويله داخلياً، خصوصاً في ظل تذبذب أسعار النفط وتباطؤ تدفق الاستثمارات الأجنبية.
الخبير الحضري البريطاني روبرت هوغز أشار إلى أن “المدينة الخطّية” من الناحية الهندسية تمثل نموذجاً غير مجرّب على الإطلاق، موضحاً أن التصميم الطولي قد يخلق مشكلات لوجستية معقّدة تتعلق بالنقل والخدمات، تجعل صيانته أكثر كلفة من المدن التقليدية.
تكاليف تتضخّم إلى ما بعد الخيال
تنقل فاينانشيال تايمز عن تقارير مالية داخلية أن تكلفة نيوم الكلية قد تتجاوز تريليون دولار إذا استمر المشروع بالحجم المعلن.
بينما تقديرات أخرى، أكثر تشاؤماً، تشير إلى أن استكمال جميع المكونات (من ذا لاين إلى مدينة أوكساغون الصناعية ومنتجع تروجينا الجبلي) قد يحتاج إلى نحو 8.8 تريليون دولار، وهو رقم “يتجاوز قدرة أي دولة على تحمّله بمفردها”.
ويقول أحد المصرفيين الإقليميين للصحيفة: “التمويل هو المعركة الكبرى. الحلم جميل، لكن المال هو الذي يحدد المدى الذي يمكن للحلم أن يطير إليه.”
تحديات البيئة والمجتمع
تُشير الصحيفة إلى أنّ الانتقادات البيئية والاجتماعية تُلاحق المشروع منذ بدايته.
فمنظمات بيئية حذّرت من أن بناء هياكل معدنية وزجاجية عملاقة وسط منطقة صحراوية نادرة التنوع الحيوي سيؤثر على النظم البيئية المحلية ومسارات الطيور المهاجرة.
أما على الصعيد الإنساني، فتذكر فاينانشيال تايمز أن عمليات نقل بعض التجمعات البدوية من محيط المشروع أثارت جدلاً واسعاً حول أسلوب التعويض والمشاركة المجتمعية.
وتقتبس عن خبير في الاستدامة قوله: “نيوم تريد أن تكون مدينة المستقبل، لكن لا يمكن لأي مدينة أن تكون مستدامة إن لم تبدأ بإنصاف من يعيشون على أرضها اليوم.”
الهندسة المعمارية… بين العبقرية والمخاطرة
من الناحية المعمارية، ترى الصحيفة أن فكرة المدينة العمودية التي تجمع كل المرافق في طبقات متراصّة “تُعدّ سابقة في الفكر العمراني العالمي”.
لكنها في الوقت ذاته تحدٍ هندسي لم يُجرَّب من قبل. فالحفاظ على التهوية، الإضاءة، واستدامة المواد في مبنى يمتد عشرات الكيلومترات، “يتطلّب حلولاً تكنولوجية لم تُختبر عملياً”.
يقول المهندس الإيطالي ماركو فيرّارا، أحد الخبراء الذين استشارتهم الصحيفة: “إنه نموذج جريء، لكنه مكلف بشكل لا يمكن تصوّره. حتى لو اكتملت المرحلة الأولى، فالتشغيل اليومي سيكون معركة هندسية بحد ذاته.”
إعادة ضبط لا انسحاب
مع كل هذه التحديات، تؤكد فاينانشيال تايمز أن المشروع لم يُلغَ رسمياً، بل يمرّ بمرحلة “إعادة ضبط” (Reset) تشمل مراجعة الجداول الزمنية والتمويل وأولويات التنفيذ.
فالحكومة السعودية – بحسب التقرير – لا تزال تعتبر نيوم رمزاً لرؤية 2030، وأداة لإظهار التحول الاقتصادي والتكنولوجي الذي تسعى إليه المملكة.
لكنها في الوقت ذاته، بحسب الصحيفة، باتت أكثر حذرًا في التوسع، وتعمل على إعادة توجيه الموارد نحو أجزاء قابلة للتنفيذ الفعلي خلال السنوات القريبة.
الفجوة بين الطموح والقدرة
تختم فاينانشيال تايمز تقريرها بقراءة تحليلية لجوهر الأزمة:
أن المشروع كفكرة يمثل قفزة خيالية في مفهوم المدن، لكنه يصطدم بمعادلة واقعية لا ترحم — المال، الوقت، التكنولوجيا، والسياسة.
فبينما تستمر الرافعات في موقع نيوم برفع الحديد والزجاج، يزداد التساؤل في الأسواق العالمية: هل ما زال “ذا لاين” رمزاً لمستقبل المدن، أم أنه تحوّل إلى مرآة لطموح يفوق حدود الممكن؟
خلاصة الخبراء كما تنقلها الصحيفة
1. الاقتصاد: المشروع سيُكمل طريقه، لكن بوتيرة أبطأ وبحجم أصغر.
2. الهندسة: نموذج معماري فريد لكنه غير مثبت فنياً.
3. البيئة والمجتمع: غياب الوضوح في آليات التعويض والمراجعة البيئية يهدد المصداقية.
4. الإدارة: الحاجة إلى حوكمة وشفافية أكبر لجذب المستثمرين الأجانب.
5. الرمزية: “ذا لاين” سيظل جزءاً من رؤية 2030، حتى لو تغيّر شكله أو مداه الزمني.
في النهاية، تقول فاينانشيال تايمز إن “ذا لاين” لم يمت، لكنه خرج من مرحلة الحلم البصري إلى ميدان الحسابات الصعبة.
المدينة التي وُلدت كرمز للمستقبل أصبحت اليوم اختبارًا لقدرة السعودية على تحقيق التوازن بين الطموح والواقعية — اختبار سيحدّد ليس فقط مصير نيوم، بل ربما صورة المملكة الاقتصادية لعقود قادمة.