غزة على حافة الانفجار والهدنة تتآكل

في جلسة حاسمة بمجلس الأمن

في أجواء سياسية مشدودة، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا وزاريا خُصص لمناقشة تطورات المشهد في الشرق الأوسط، وعلى رأسه الحرب في غزة والتطورات المتسارعة في الضفة الغربية. الجلسة جاءت قبيل اجتماع مرتقب في واشنطن لما يسمى “مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ما أضفى على النقاش بعدا سياسيا يتجاوز الطابع الإنساني التقليدي.

المداخلات كشفت عن تباين واضح في الأولويات: دول ركزت على إنقاذ وقف إطلاق النار ومعالجة الكارثة الإنسانية، وأخرى شددت على الترتيبات الأمنية ونزع سلاح الفصائل في غزة، فيما برز إجماع واسع على رفض الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية.

بريطانيا: هدنة قابلة للانهيار وفرصة مشروطة

ترأست الجلسة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، التي وصفت وقف إطلاق النار بأنه ما زال قابلا للانهيار في أي لحظة. وأشارت إلى تسجيل خروقات من الطرفين، معتبرة أن استمرارها يهدد أي خطة سياسية مطروحة.

كوبر ربطت الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق بضرورة نزع سلاح حماس ومنعها من إدارة القطاع، مؤكدة أن تحقيق الاستقرار يتطلب نشر قوة دولية وانسحابا إسرائيليا من غزة. كما انتقدت التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، معتبرة أن الأمن الدائم لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب سيادة فلسطينية حقيقية.

واشنطن: لا إعمار بلا أمن

المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز وضع الأمن في صدارة الأولويات، مؤكدا أن على حماس التخلي عن سلاحها بشكل كامل. وشدد على أن أي هجوم مشابه لما وقع في السابع من أكتوبر لن يُسمح بتكراره.

وأوضح أن قوة حفظ سلام متعددة الجنسيات ستُكلّف بضمان الاستقرار في غزة، فيما سيبحث اجتماع مجلس السلام في واشنطن آليات إعادة الإعمار، مع إعلان تعهدات مالية تصل إلى خمسة مليارات دولار. الرسالة الأمريكية بدت حاسمة: إعادة البناء مرتبطة بترتيبات أمنية صارمة.

فلسطين: الضم هدف معلن

مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور اعتبر أن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تكشف نية واضحة لفرض الضم. وقال إن الاستيطان وهدم المنازل والعنف الذي يمارسه مستوطنون يصب في اتجاه واحد، هو تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية.

منصور أكد أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكا صريحا للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، محذرا من أن استمرارها قد يدفع الأوضاع إلى انفجار شامل في الضفة الغربية.

مواقف عربية: تحذير من اتساع دائرة النار

المندوبة القطرية علياء آل ثاني وصفت التصعيد في الضفة بأنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية، داعية إلى الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار وبدء مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي شدد على ضرورة وقف الخروقات والسماح بدخول المساعدات دون قيود، معتبرا أن ترسيخ الاستيطان يقوض فرص السلام.

أما وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي فحذر من أن الضفة الغربية تتجه نحو انفجار جديد إذا استمرت الإجراءات الأحادية، مؤكدا أن المنطقة بأسرها ستدفع ثمن أي تصعيد إضافي.

مواقف دولية: رفض أحادي للخطوات الإسرائيلية

المندوب الفرنسي جيروم بونافون وصف الوضع في الضفة بأنه غير مسبوق من حيث الخطورة، وأدان توسيع السيطرة الإسرائيلية هناك، مشيرا إلى أن مستقبل الضفة لا ينفصل عن مستقبل غزة.

بدوره، قال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا إن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تمثل محاولة لفرض تغيير في الوضع القائم، معتبرا أن هذه السياسات تزيد التوتر الإقليمي تعقيدا.

مندوب السعودية عبد العزيز الواصل أكد أن تحقيق سلام شامل يتطلب تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الضم وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، إلى جانب فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية.

كما اعتبر وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أن القرارات الإسرائيلية التوسعية تخالف القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، داعيا إلى تعزيز الجهود الدبلوماسية لإنهاء النزاع.

إسرائيل: سردية السيادة التاريخية

في المقابل، دافع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن سياسات بلاده، مؤكدا أن الوجود اليهودي في “أرض إسرائيل” يستند إلى جذور تاريخية، ولا يتعارض مع القانون الدولي من وجهة نظره. كما تساءل عن سبب الاهتمام الواسع باجتماع مجلس السلام في واشنطن بدلا من التركيز على مجلس الأمن.

مفترق طرق دبلوماسي

الجلسة أظهرت حجم الهوة بين الأطراف، لكنها كشفت أيضا عن إدراك مشترك لخطورة المرحلة. وقف إطلاق النار في غزة يواجه اختبارات يومية، فيما تتصاعد المخاوف من انتقال التوتر إلى الضفة الغربية بشكل أوسع.

وبين دعوات نزع السلاح وتعهدات الإعمار، واتهامات بالضم وتحذيرات من انفجار وشيك، يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة. ما ستسفر عنه التحركات السياسية في واشنطن قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، لكن الواقع على الأرض سيظل العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة مستدامة أم جولة جديدة من الصراع.