عنف المستوطنين يعطّل موسم قطف الزيتون في الضفة

مشهد صادم يختصر موسمًا دامٍ من العنف

في بلدة ترمسعيا قرب رام الله، تحوّل موسم قطف الزيتون  رمز الأرض والصمود الفلسطيني – إلى مشهد من الفوضى والعنف. خلال هجوم جديد للمستوطنين الإسرائيليين، ظهر شاب ملثّم يعتدي بعنف على امرأة فلسطينية مسنّة، أم صالح أبو عليا (55 عامًا)، بينما كانت تجمع الزيتون من أرضها.

مشهد صادم يختصر موسمًا دامٍ من العنف

روى الشاهد ياسر علقم، وهو مسؤول محلي في ترمسعيا، أن “نحو مئة مستوطن هاجموا القاطفين فجأة، ما أثار حالة من الهلع، وأصيب ناشط سويدي بكسر في ذراعه وساقه أثناء محاولته المساعدة”. وأضاف أن الضحية كانت تنتظر ابنها ليقلّها بعيدًا عن المكان قبل أن يهاجمها المستوطنون.

وصل الجيش الإسرائيلي لاحقًا وفرق الحشد باستخدام الغاز المسيل للدموع، لكن بعد أن أُحرقت سيارتان على الأقل في القرية. وأصدر قائد شرطة الضفة الغربية، موشيه بينشي، أوامر بالتحقيق في الحادث بعد انتشار فيديو الاعتداء الذي صوره صحفي أمريكي.

إلا أن سكان القرية يؤكدون أن التحقيقات السابقة في حوادث مماثلة نادرًا ما تنتهي بإجراءات فعلية، في ظل ما يصفونه بـ“تواطؤ الجيش” مع المستوطنين.

توسّع المستوطنات وتأجيج العنف الريفي

ليست ترمسعيا حالة فريدة. فقد شهدت وكالة فرانس برس ست حالات موثقة هذا العام لهجمات مستوطنين أو منع قاطفين فلسطينيين من دخول أراضيهم في مناطق مختلفة من الضفة الغربية المحتلة.

تقول الوكالة إن الاشتباكات الريفية “بلغت مستويات غير مسبوقة” بسبب التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية وازدياد أعداد المستوطنين. ويعيش أكثر من 500 ألف مستوطن في الضفة الغربية، وجميع المستوطنات هناك غير قانونية بموجب القانون الدولي.

قرب ترمسعيا، في قرية المغير، يروي المزارع عبد اللطيف أبو عليا (55 عامًا) مأساته:“كنت أملك عشرة دونمات من الزيتون. بعد مشاجرة أصيب فيها أحد المستوطنين قرب منزلي، أمر الجيش باقتلاع أشجار والدي وجدي. لم يبقَ لي سوى بضع شجرات في حديقة البيت.”

حولت الجرافات الأرض إلى أكوام من التراب والجذور، مانعة عائلته من الاقتراب خوفًا من هجمات جديدة.

من جهته، يقول المزارع نائل القوق من ترمسعيا إن “الرد العسكري على أي توتر في المنطقة لا يؤدي إلا إلى مزيد من العنف، وغالبًا بدعم من الجيش نفسه”.

وفي الوقت ذاته، رفرف علم إسرائيل فوق بؤر استيطانية قريبة، بعضها غير قانوني حتى وفق القانون الإسرائيلي، ما يعكس حالة الانفلات في المناطق الريفية الفلسطينية.

موسم الزيتون بين الهوية والصمود

بالنسبة للفلسطينيين، لا يعد موسم الزيتون مجرد حدث زراعي، بل رمزًا وطنيًا متجذرًا في الهوية. تمتد جذوره في الثقافة الفلسطينية منذ قرون، حيث تشكّل أشجار الزيتون مصدر رزق وعنوانًا للانتماء للأرض.

يقدّر عدد أشجار الزيتون في الضفة الغربية بأكثر من ثمانية ملايين شجرة، تخدم نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، بحسب بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية لعام 2021. يبدأ الموسم عادة في أكتوبر ويستمر حتى منتصف نوفمبر، حيث يتوجه المزارعون وسكان المدن إلى الحقول للمشاركة في القطاف يدويًا.

لكن هذا الموسم، وفق وزير الزراعة الفلسطيني رزق سليمية، هو “الأسوأ منذ ستين عامًا”، ليس فقط بسبب الهجمات بل أيضًا بسبب سوء الأحوال الجوية. وأضاف في تصريحاته أن “المجتمع الدولي يجب أن يتحمل مسؤوليته في حماية المزارعين والقاطفين من الاعتداءات”.

في المقابل، أعرب أجيث سونغاي، رئيس مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، عن قلقه العميق إزاء “الاعتداءات المتكررة والممنهجة خلال موسم الحصاد”، مشيرًا إلى “مستويات خطيرة من الإفلات من العقاب” التي تشجع على استمرار العنف.

تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA) أشار إلى أن 27 قرية فلسطينية في الضفة الغربية تأثرت بهجمات مرتبطة بالحصاد بين 7 و13 أكتوبر فقط. وشملت تلك الحوادث سرقة محاصيل ومعدات وتخريب مئات الأشجار، ما تسبب في خسائر مادية جسيمة وإصابات عديدة.

حصاد تحت النار

تحوّل موسم الزيتون في الضفة الغربية، الذي كان يومًا رمزًا للتعاون العائلي والسلام الريفي، إلى ساحة مواجهة بين المزارعين الفلسطينيين والمستوطنين المدججين بالسلاح.

في الحقول التي كانت تعجّ بالأغاني وأصوات الأطفال، يسود اليوم الخوف والترقّب. يراقب القاطفون السماء والطرقات أكثر مما ينظرون إلى الأشجار، بينما ترافقهم منظمات حقوقية ومتضامنون أجانب في محاولة لحمايتهم.

ورغم الخطر، لا يفكر الفلسطينيون في ترك أراضيهم. يقول المزارع أبو عليا بصوت متهدج: “حتى لو اقتلعوا كل الأشجار، سنزرع غيرها. الزيتون مثلنا، يُقطع ويعود ليحيا من جديد.”

بهذه الكلمات، يلخص أبو عليا معنى الصمود الفلسطيني في وجه العنف والتخريب، في موسمٍ لم يعد مجرد حصادٍ للثمار، بل معركةٍ يوميةٍ من أجل البقاء على الأرض.