عندما تتزاحم السهام على جسد الوسيط النبيل
د. سلطان الخليفي يكتب
- dr-naga
- 20 مارس، 2026
- رأي وتحليلات
- الدبلوماسية, الرسائل, السهام, الصراع الإقليمي, الملف الفلسطيني, الوسيط, د. سلطان الخليفي
بدا وكأن إعلان اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران يحمل في طياته دلالة أعمق تتجاوز الحدث العسكري ذاته، ليعكس تراجع دور الوساطة الدولية، وتآكل قدرتها على منع نشوب الحروب.
فقد جاءت هذه المواجهة في أعقاب تعثر المفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، التي جرت بوساطة عُمانية في جنيف، رغم ما أحيط بها من مؤشرات توحي بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي محاولة أخيرة لتدارك الانزلاق نحو التصعيد، خرج وزير الخارجية العماني قبيل اندلاع الحرب بساعات، مخاطبا الرأي العام الأمريكي عبر إحدى أبرز المنصات الإعلامية، مؤكدا أن الاتفاق لا يزال في المتناول، وأن تجنب الحرب أمر ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية.
لكن ما جرى أن منطق القوة غلب في نهاية المطاف، فكان دوي القنابل أعلى من صوت الوسيط، وطغت حسابات الحرب على نداءات الصوت الحكيم.
لطالما شكلت الوساطة الدولية أداة مركزية في إدارة النزاعات وحلها داخل المجتمع الدولي، إذ أتاحت للدول والأطراف المتنازعة قنوات للحوار، وتخفيف التصعيد بعيدا عن منطق القوة العسكرية.
بيد أن التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة أفرزت بيئة أكثر تعقيدا، باتت فيها الوساطة نفسها عرضة للضغوط والاستهداف.
فلم يعد دور الوسيط يقتصر على تقريب وجهات النظر وردم الهوة بين الأطراف المتنازعة، بل أصبح مضطرا إلى الدفاع عن شرعيته في مواجهة حملات التشويه المتعمد، والاتهامات بالتحيز، أو السعي لتحقيق مصالح خفية، بل وفي بعض الحالات التعرض لاستهداف مباشر يهدف إلى إرباك جهوده، وإفشال مسار التفاوض.
تمر الوساطة الدولية اليوم بأزمة عميقة، تتجاوز مرحلة الازدهار التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، حين توسعت الأمم المتحدة في عمليات حفظ السلام، وأنشأت هياكل متخصصة لدعم الوساطة وبناء السلام، واستثمرت في تطوير خبرات مهنية قادرة على مساعدة الأطراف المتنازعة والدول الوسيطة.
وفي تلك المرحلة، برزت نماذج ناجحة للوساطة الدولية، مثل الدور النرويجي في اتفاق أوسلو، ثم صعود دول ذات مساحات جغرافية محدودة كدولة قطر التي رسخت مكانتها كوسيط موثوق في عدد من النزاعات، إلى جانب سلطنة عُمان التي اضطلعت بدور حاسم في تسهيل قنوات التواصل بين الولايات المتحدة، وإيران.
غير أن هذه النجاحات لم تعد محصنة في ظل البيئة الدولية الراهنة، التي شهدت تصعيدا عسكريا مباشرا بين واشنطن، وطهران 28 فبراير/شباط 2026، بما يعكس محدودية قدرة الوساطة على احتواء الانزلاق نحو الحرب.
تشير هذه التطورات إلى حقيقة مقلقة مفادها أن مساحة الوساطة الدولية آخذة في التقلص، وأن هذا الانكماش مدفوع بعاملين رئيسيين.
- العامل الأول، يتمثل في الانكشاف الجغرافي للوسيط، حيث يجد نفسه محاطا بتداعيات الصراع الإقليمي، ومعرضا لضغوط أو استهداف من أطراف النزاع.
ويبرز ذلك بوضوح في سياق الشرق الأوسط، حيث تقع دول مثل قطر وسلطنة عمان في بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية، تجعلها عرضة لتبعات التوترات الإقليمية، رغم سعيها إلى لعب دور متوازن.
- أما العامل الثاني، فيتمثل في تآكل الأعراف الدبلوماسية التي كانت توفر للوسيط هامشا من الحماية والاحترام. فقد درجت الممارسة الدولية، تاريخيا، على تحييد الوسطاء وعدم استهدافهم، حتى في حال الاختلاف مع مقترحاتهم.
غير أن هذا العرف بدأ يتآكل، في ظل تصاعد منطق القوة، وتراجع الالتزام بالقواعد غير المكتوبة التي كانت تنظم السلوك الدبلوماسي.
تعتمد الوساطة، في حدها الأدنى، على ثلاثة مرتكزات أساسية: الثقة، وإمكانية الوصول، والحياد. فالثقة تمثل شرطا لازما لقبول الوسيط من قبل أطراف النزاع والمجتمع الدولي، ولا يمكن لدولة تفتقر إلى سجل موثوق في الوساطة أن تلعب دورا فعالا يتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية.
أما إمكانية الوصول، فتعني امتلاك قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بما يسمح بنقل الرسائل وتبادل المقترحات بثقة واطمئنان.
وقد برزت دولة قطر مثالا بارزا في هذا السياق، من خلال قدرتها على التواصل مع أطراف متباينة في حالات متعددة، مثل الملف الفلسطيني، والحالة الأفغانية، والنزاع في شرق الكونغو.
ويأتي الحياد كركيزة ثالثة، إذ يتطلب من الوسيط القدرة على إدارة التفاوض دون الانحياز لأي طرف، والاستماع إلى مختلف الحجج، وطرح حلول وسط قابلة للتطبيق.
وقد ساهمت هذه المرتكزات في بروز الدول الصغيرة جغرافيا أو ديمغرافيا كفاعلة متميزة في مجال الوساطة، إذ أتاحت لها محدودية مساحتها وقدراتها العسكرية والبشرية التحرر نسبيا من تهم السعي إلى الهيمنة، أو تحقيق مكاسب إستراتيجية كبرى، بخلاف الدول الكبرى والمتوسطة التي غالبا ما ينظر إليها بعين الريبة؛ بسبب تشابك مصالحها. ومن ثم، فإن هذه الدول الصغيرة اكتسبت ميزة نسبية بوصفها أطرافا أقل تهديدا، وأكثر قبولا لدى المتنازعين.
بيد أن هذا التوازن بدأ يتآكل مع انتقال النظام الدولي من مرحلة الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية تنافسية تتسم بارتفاع مستويات الشك، وانخفاض الثقة بين الدول.
وفي هذا السياق، تحولت الوساطة من أداة تعاونية إلى ساحة تنافس، يتعرض فيها الوسطاء لضغوط سياسية وإعلامية تهدف إلى توجيه مسار التفاوض أو تقويضه.
وقد تصل هذه الضغوط إلى حد اتهام الوسطاء بالانحياز أو دعم الإرهاب، لا سيما عند انخراطهم في التواصل مع جماعات مسلحة في إطار جهود احتواء النزاعات.
يتجلى أثر القرب الجغرافي بشكل واضح في حالة قطر وسلطنة عُمان، حيث تحول هذا العامل من ميزة تسهل الفهم والتواصل إلى مصدر تهديد مباشر، مع تعرضهما لهجمات صاروخية من إيران، رغم ما قدمتاه من جهود لتخفيف التوترات.
وفي مثل هذه الحالات، يجد الوسيط نفسه أمام معادلة صعبة، إذ يضطر إلى تقديم أولويات الأمن القومي والدفاع عن سيادته على دوره كوسيط، ولو بشكل مؤقت، ما يؤدي إلى إضعاف فاعلية الوساطة أو تعطيلها.
أما تآكل الأعراف الدبلوماسية، فقد تبدّى بصورة صارخة في استهداف الوفد التفاوضي لحركة حماس خلال وجوده في الدوحة، أثناء مناقشة مقترحات الوساطة، وهو ما يعكس تجاوزا خطيرا للأعراف التي كانت تحمي العملية التفاوضية.
ورغم موجة التضامن الدولي مع قطر، فإن غياب إطار قانوني ملزم يجرم استهداف الوسطاء ويعاقب عليه، يظل ثغرة كبيرة في النظام الدولي، تسمح بتقويض جهود الوساطة دون رادع فعال.
إن استمرار هذه المسارات والنزعات ينذر بتداعيات خطيرة على النظام الدولي، إذ قد يؤدي استهداف الوسطاء إلى إحجام الدول عن الاضطلاع بأدوار الوساطة، خشية تعرض أمنها واستقرارها للخطر.
وفي غياب الوسطاء، تصبح النزاعات أكثر قابلية للاستمرار والتصعيد، مع غياب قنوات سياسية قادرة على خفض التوتر، وإيجاد حلول تحفظ ماء وجه الأطراف المتنازعة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لدور الوساطة الدولية، من خلال بناء تكتل دولي فاعل يدافع عن حماية الوسطاء، ويرفع كلفة استهدافهم سياسيا وعسكريا.
ويتطلب ذلك ليس فقط أدوات ضغط اقتصادية ودبلوماسية، بل أيضا جهدا مستمرا في ترسيخ الوعي بأهمية الوساطة بوصفها صمام أمان في النظام الدولي.
فالحروب، مهما بلغت حدتها، لا يمكن أن تنتهي دون قنوات للحوار، والوسيط يظل أحد أهم هذه القنوات التي ينبغي حمايتها لا استهدافها.