عدم قناعة العلماء والباحثين
د. محمد أكرم الندوي يكتب
- dr-naga
- 19 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
في الحادي عشر من ديسمبر سنة 2025 جمعتْنا ليستر، تلك المدينة الهادئة التي تمشي على الأرض مشي الحَلِيم المتأمّل، في اعتكافٍ علمي امتدّ أربعة أيام. وهناك، أمام ثُلّة من طلاب معهد السلام رجالا ونساءً، وقفتُ أحدثهم عن خصلةٍ ما زال العلم قائمًا عليها منذ وُلد، وما زالت العقول تُزهر بها كلما ضاقت بها المسالك: خصلة القلق العقلي، وعدم القناعة، والسخط الجميل الذي لا يورث النفس حزنًا، ولا القلبَ عتمة، بل يفتح للعقل أبوابًا مغلقة، ويُصعِده مراقيَ الفهم طبقة بعد طبقة حتى يبلغ ذُرى اليقين.
وليس هذا القلق اضطرابًا، ولا وسواسًا، بل هو طبيعة العقول الكبيرة. فالعالِم الحقّ لا يطمئن إلى ما يسمع، ولا يستريح لما يقال، بل يسأل عن السؤال، ويستقصي علّة العلّة، حتى إذا وجد الحقيقة لمسها بيده، لا بآذان سمعته ولا بعينٍ رأت في ضباب. وقد قلت للطلاب يومئذٍ: إنّ الحضارة الإنسانية ما نهضت إلا على أكتاف عقولٍ لم تُرد السلامة بل أرادت الحقيقة، ولم تُرِد الراحة بل أرادت النور.
وأوّل من ضرب لنا هذا المثل هو الخليل إبراهيم عليه السلام، إمام الموحّدين وصاحب القلب الحنيف، والجامع بين الجرأة العقلية الخارقة والجرأة الخلقية العجيبة. فهو المؤمن الموقن، ومع ذلك يسأل ربه في أدب العارفين: “رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قال بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”، فهو سؤال لا يورث الشك، بل يورث اليقين، ويعلّمنا أنّ الطمأنينة بنت البحث، وأن نور الحقيقة لا يولد إلا من رحم السؤال.
وفي الفكر الغربي، يبرز سقراط مثالًا ساطعًا للروح التي لا تكفّ عن التفتيش. كان يطوف بأثينا، يسأل هذا، ويعترض ذاك، يهدم الآراء ثم يعيد بناءها، لا ليُربك الناس، ولكن ليوقظ فيهم القدرة على أن يروا ما وراء ظواهر الأشياء. ثم جاء ديكارت، فزلزل ما تلقّاه من معارف، وشكّ في كل شيء حتى في وجوده نفسه، لا لأنّه متشكّك بطبعه، بل لأنّه أراد أن يجعل لليقين أساسًا لا يتزعزع. وكان هذا الشك الرحيم هو الذي أنبت للعقل الحديث جذوره الأولى.
وإذا عبرنا إلى ضفّة تراثنا العربي الإسلامي رأينا القلق في أجمل صوره. فالإمامان البخاري ومسلم لم يكتفيا برواية الأخبار، بل جعلا من نقدها علمًا له قواعده وضوابطه. كان بعضهم يسافر الليالي الطوال من أجل التحقق من لفظة واحدة في حديث، أو للتثبت من ضبط راوٍ أو سيرته، يفحص الأسانيد والطرق، ويمحّص كل كلمة، ويقيس الرواية بميزان لو وُزن به الذهب لكان الذهب أخفّ. ومن هذا القلق الدقيق وُلد أعظم ما ألّفه البشر في باب الرواية: الصحيحان، وهما تاجان على جبين التراث الإنساني والإسلامي.
وهذا سيبويه، الذي ارتقى بالعربية من فوضى الشواهد إلى نظام القواعد. لم يكن (الكتاب) الذي ألّفه مجرد جمع للمسائل، بل كان بناءً لغويًا شامخًا، يُظهر منطق العربية، ويدقّق طرائقها، ويكشف عن دقائقها التي لم يدركها حتى أهلها. كان سيبويه يرى في اللغة روحًا حيّة، يسألها فتجيبه، ويجادلها فتفصح، حتى كأن العربية كلها انقادت لقلمه.
وأما ابن سينا، فهو مثال للعقل الذي لا يهدأ، درس الطب فصار إمامه، ودرس الفلسفة فصار علمًا من أعلامها. لم تكن المسألة تعرض له إلا ويعكف عليها الليالي، حتى تستسلم له أو يُعرِض عنها بعد أن يأخذ من جوهرها ما يروي عقله. وقد خلّف لنا (الشفاء)، و(النجاة)، و(القانون)، كتبًا طاولت الزمن، وعلّمت أممًا كاملة كيف تفكّر وكيف تتداوى.
وها هو الغزالي، الذي جاب طريق الكلام والفلسفة والباطنية، فلم يطمئن لشيء منها، حتى هداه الله إلى سكينة المعرفة. سعى مضطربًا، وعاد مطمئنًا، ليكتب (المنقذ من الضلال) شاهدًا على أن القلق ليس عيبًا، بل هو الطريق إلى النجاة.
ثم تأتي عبقرية ابن الهيثم، الذي ثار على الموروث، وأقام التجربة ميزانًا للمعرفة. لم يُرِد أن يفهم البصر كما فهمه السابقون، فأنشأ مختبره، وجعل الضوء رسوله، فأسّس علم البصريات الحديثة بطريقة لم يعرف لها التاريخ مثيلًا.
وأما ابن رشد، فقد كان قلقه قلق الحارس الأمين على الفلسفة. يخشى عليها من سوء الفهم، ومن ظلم الخصوم، ومن عجز بعض المتكلّمين عن درك مراميها. فشرح وعلّق وأعاد، حتى صار جسرًا تعبر عليه الفلسفة من قرطبة إلى باريس.
وهنا يبرز شيخ الإسلام ابن تيمية مثالًا فريدًا لقلقٍ يرتكز إلى غيرة على صفاء العقل واستقامة المنهج. لم يقبل أن يُجعل المنطق اليوناني ميزانًا للوحي، ولا أن تُسلّط القوالب المستوردة على نصوص الإسلام. فكتب (الرَّدّ على المَنطِقيين)، كاشفًا عن عيوب المنطق التي توهّم أصحابها أنها حقائق خالدة. ثم صنّف موسوعته العظيمة (درء تعارض العقل والنقل)، يبرهن فيها أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، وأن كل تناقض إنما يأتي من فهم خاطئ، أو عقل ضيّق، أو تأويلٍ مجاوزٍ للحد. وهو كتاب لو لم يكتب غيره لكان كافيًا للدلالة على مقامه.
هؤلاء جميعًا، على اختلاف أعصارهم وأمصارهم، يشتركون في حقيقة واحدة: أن العلم لا يولد من الرضا، بل من القلق. وأن الحقيقة لا تأتي للراكبين أمواج السكون، بل للسائرين في دروب السؤال.
وقد أردت لطلاب معهد السلام أن يدركوا أنّ زماننا، مع ما فيه من وفرة المعلومات، أشد حاجة إلى تلك الروح التي لا ترضى، ولا تستكين، ولا تأخذ الجواب الأول مأخذ اليقين. فالمعرفة لا تبوح بسرّها إلا لمن يطاردها، ولا تمنح أسْرارها إلا لمن يحبّها حبًّا لا يعرف الترف.
وأجمل ما في هذا القلق أنه طريق الطمأنينة؛ فهو لا ينبع من ضياع، بل من إيمان بأن وراء الحيرة نورًا، ووراء السؤال يقينًا.
وإن سألتني ما الذي يحتاجه شباب اليوم، قلت لك: إنهم يحتاجون إلى أن يرددوا في صدقٍ وشجاعة ما ردده أولئك العظام: هذا الجواب لا يكفيني؛ دعوني أبحث عن الحق حتى أبلغه.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية