صمت الإبل أمام تغول ترامب.. ارتباك القوى وانكسار النظام الدولي
استسلام لواقع أم رغبة في الحفاظ على المصالح
- السيد التيجاني
- 10 يناير، 2026
- القرارات الرسمية, تقارير
- أردوغان, الصين, باكستان, ترامب, روسيا, صمت الإبل, واشنطن
بينما تدخل الرئاسة الثانية لدونالد ترامب عامها الثاني في 2026، يبدو المشهد العالمي وكأنه استسلم لواقع “السياسة القسرية” التي تنتهجها واشنطن. فمنذ تنصيبه في يناير 2025، لم تكن “أطماع” ترامب مجرد شعارات انتخابية، بل تحولت إلى خطوات تنفيذية شملت سحب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية، وفرض تعريفات جمركية عدوانية، بل والتلويح بأطماع إقليمية صريحة مثل “شراء” جرينلاند أو فرض وصاية اقتصادية على ممرات مائية حيوية. إلا أن اللافت ليس في تحركات ترامب نفسها، بل في “الصمت المطبق” أو “التحفظ الخجول” الذي تبديه قوى كانت تُصنف حتى وقت قريب بأنها “ند” أو “حليف استراتيجي“.
الكرملين والباب العالي: “صمت المصالح والصفقات”
في موسكو، يتبنى الرئيس فلاديمير بوتين استراتيجية “الترقب الهادئ”. ويرى الخبير الروسي ديميتري بريجع أن عقيدة بوتين في 2026 تركز على كسر الأحادية القطبية، لكنه يجد في “فوضى ترامب” فرصة لتفكيك حلف الناتو من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة. الصمت الروسي ليس ضعفاً، بل هو استثمار في رغبة ترامب المعلنة في تقليص الالتزامات الأمريكية تجاه أوروبا وأوكرانيا.
أما في أنقرة، فالرئيس رجب طيب أردوغان، الذي لطالما عُرف بخطاباته النارية، يجد نفسه في 2026 محاصراً بين طموحاته الإقليمية في سوريا وبين “دبلوماسية الصفقات” التي يفرضها ترامب.
ويشير الخبير محمد المنشاوي إلى أن ترامب استخدم خطاب “القوة الصارمة” في تنصيبه الثاني، مما دفع أردوغان لتبني لغة هادئة غير معهودة، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية الأمريكية والتلويح بالعقوبات بسبب منظومة S-400. الصمت التركي هنا هو “انحناء للعاصفة” بانتظار صفقة كبرى تضمن لتركيا دوراً في الشرق الأوسط الجديد الذي يعيد ترامب رسم ملامحه.
معضلة “النمور الصامتة”: اليابان وإندونيسيا
على الجزء الآخر من العالم، يمثل صمت اليابان نموذجاً لـ “الابتزاز الجيوسياسي القسري”. اليابان، كأكبر مستثمر في السندات الأمريكية بأكثر من 1.1 تريليون دولار، تجد نفسها رهينة لتقلبات ترامب.
ويؤكد الخبير الاقتصادي جوش ليبسكي من المجلس الأطلسي أن ترامب غير “المعادلة التاريخية” مع طوكيو؛ فبدلاً من “الأمن مقابل الاستثمار”، باتت القاعدة “التعريفات الجمركية أو الخضوع التام”. صمت اليابان هو صمت “المضطر” الذي يخشى انهيار سلاسل التوريد لشركات مثل تويوتا وهوندا إذا ما قرر ترامب تفعيل “قانون التجارة” ضد الحلفاء.
أما إندونيسيا، كأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، فهي تلتزم الصمت تجنباً للدخول في صراع “الفيلة”. فبينما يشتد التنافس الأمريكي الصيني، تحاول جاكرتا البقاء تحت الرادار.
ويرى مراقبون أن صمت دول “الجنوب العالمي” مثل إندونيسيا يعكس فقدان الثقة في النظام الدولي متعدد الأطراف الذي أجهز عليه ترامب، مما دفع هذه الدول للبحث عن ترتيبات “ثنائية مؤقتة” بدلاً من المواجهة العلنية.
باكستان والهند: الرقص على حبال اليقين المفقود
في جنوب آسيا، تلتزم باكستان صمتاً حذراً، وهي التي تعاني من “عدم يقين” مزمن في علاقتها مع واشنطن. ويوضح الخبير في العلاقات الدولية الدكتور أحمد سيد أحمد أن إدارة ترامب الثانية ركزت بشكل مفرط على الهند كعامل موازن للصين، مما جعل إسلام آباد تشعر بالعزلة.
الصمت الباكستاني هو محاولة لتجنب إثارة غضب ترامب الذي يربط المساعدات بالولاء المطلق، بينما تحاول الهند، رغم تقاربها مع ترامب، الصمت حيال سياساته “الحمائية” التي تضر بقطاع التكنولوجيا الهندي.
تأثير “الصمت العالمي” على تغول ترامب
هذا الصمت الجماعي أدى إلى نتيجة واحدة: “تآكل الشرعية الدولية”. ويرى إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا، أن عام 2026 هو “نقطة التحول” حيث أصبحت الولايات المتحدة هي التهديد الرئيسي للنظام العالمي. الصمت الدولي أعطى ترامب الضوء الأخضر للتحرك خارج إطار القانون الدولي،
كما حدث في تدخلاته الأخيرة في أمريكا اللاتينية (مثل أزمة فنزويلا في مطلع 2026).
ويضيف الخبير القانوني في جامعة أكسفورد في تعليق حديث أن “كل دولة لا تدين هذا العدوان الصارخ تساهم في هدم النظام الدولي”. إن صمت القوى الإقليمية ليس مجرد موقف ديبلوماسي، بل هو “وقود” لمحرك ترامب التوسعي، حيث يدرك الأخير أن العالم بات “سوقاً للصفقات” وليس “منصة للقيم”.
إن العالم في 2026 لم يعد يواجه “رئيساً أمريكياً” بل “ظاهرة جيوسياسية” تتغذى على صمت الآخرين. فبينما ينشغل بوتين بمصالحه، وأردوغان باقتصاده، واليابان بسنداتها، يجد ترامب الساحة خالية لفرض “عقيدة دونرو” (Donroe Doctrine) التي تدمج بين طموحاته الشخصية والقوة العسكرية والضغط التجاري.
زلزال الطاقة 2026: شعار “احفر يا بني احفر” في مواجهة الواقع
دخلت أسواق الطاقة العالمية في عام 2026 مرحلة من “الارتباك المنظم” نتيجة استراتيجية دونالد ترامب القائمة على الإغراق الإنتاجي والضغط الجمركي. فبينما يرفع ترامب شعار “احفر يا بني احفر” (Drill, Baby, Drill) لزيادة الإنتاج الأمريكي إلى مستويات قياسية تتجاوز 13.5 مليون برميل يومياً، اصطدمت هذه الرغبة بتحديات هيكلية أدت لنتائج عكسية:
صدمة التكاليف والرسوم: يوضح خبير اقتصاديات الطاقة نهاد إسماعيل أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصلب والألومنيوم رفعت تكاليف تشغيل منصات الحفر بنسبة تصل إلى 40%، مما دفع شركات النفط الصخري لتقليص استثماراتها بدلاً من توسيعها. حرب الأسعار مع أوبك+: أدت سياسة ترامب لزيادة المعروض إلى هبوط أسعار النفط (خام برنت) لمستويات تتراوح بين 55 و60 دولاراً في النصف الأول من 2026، مما أثار توتراً مكتوماً مع السعودية والتحالف النفطي،
وهو ما يفسره جوش ليبسكي بأنه محاولة أمريكية لانتزاع سيادة التسعير من يد الكارتلات الدولية. تبخر الحلم الأخضر:
في المقابل، تراجعت الاستثمارات في الطاقة المتجددة داخل أمريكا بنسبة 36%، مما منح الصين تفوقاً مطلقاً في تكنولوجيا البطاريات والمعادن النادرة، وهو ما يراه خبراء Chatham House خسارة جيوسياسية طويلة الأمد لواشنطن مقابل مكاسب نفطية مؤقتة.
النتيجة: يعيش العالم في 2026 “تضخماً في المعروض النفطي” يقابله “تباطؤ في الطلب العالمي” بسبب الرسوم الجمركية، مما يجعل أسواق الطاقة ساحة لتصفية الحسابات السياسية أكثر منها خاضعة لقوى العرض والطلب.