صفحة من تاريخ الازهر ما بين الشيخ رشيد رضا والشيخ عبد المجيد سليم
احمد لطفي للسيد
- dr-naga
- 10 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
عام ١٩٢٩م أرسل الملك عبد العزيز بن سعود برقية إلى القاهرة يطلب فيها توضيح رأي الأزهر والمفتي في التوسل بالأولياء، والتمسح بالأضرحة، والتدخين، والموسيقى. فصدرت فتوى مشتركة بين الأزهر- الذي كان شيخه يومها الشيخ/ محمد الأحمدي الظواهري-، والمفتي الشيخ عبد مجيد سليم، أجازوا فيها التوسل بالأولياء والتمسح بالأضرحة، فاعترض الشيخ رشيد رضا على هذه الفتوى في مجلة المنار، وحاول نقضها بكل ما أوتي من قوة علمية- انظر: المنار ٢٧/ ١٦٢-، عندها وكَّل شيخ الأزهر الشيخ يوسف الدجوي بالرد على رضا في مجلة ” نور الإسلام”- مجلة الأزهر حاليًا-، وكان الشيخ الدجوي مسؤول الفتوى في المجلة، وقد رد على رشيد رضا ردًا قاسيًا جدًا، استثار الشيخ رشيد رضا وجعله يتهم الدجوي بأنه أحد علماء السلطان الذين ضيعوا الدين، فأعاد الدجوي الرد عليه، حتى طال التلاسن بينهما وخرج النقاش عن حيز السيطرة، فتدخل الشيخ عبد المجيد سليم، واستأذن الشيخ الظواهري في إيقاف الشيخ الدجوي، وهو بدوره سيحاول زيارة رشيد لحل المسألة، ولكن مساعي الشيخ عبد المجيد لم تنجح مع شيخ الأزهر، فاضطر الشيخ عبد المجيد سليم أن يتجاوز شيخ الأزهر، فدعا إلى لقاء صلح بين الشيخين في دار الإفتاء، وأعدَّ لهما عشاءً، وتحدث بعده عن المصالحة والحاجة إلى توحيد الجهود في هذا الوقت الذي تنشط فيه الإرساليات المسيحية في كل أرجاء العالم الإسلامي، وبعد أن تبادل المتخاصمان بعض الاتهامات، توصّلا إلى اتفاق، وأديا الصلاة معًا جماعة- أمّهم فيها الشيخ عبد المجيد سليم-، ولكن للأسف لم يستمر هذا الاتفاق طويلًا فسرعان ما نشب الخلاف بينهما مرة أخرى؛ بسبب الصلاة على النبي بعد الأذان، والتي أفتى رضا بعدم جوازها؛ لأنها لم ترد في الآذان الذي نُقل لنا بالتواتر، في حين أجازها الشيخ الدجوي، ورأى أنها سنة حسنة، ومن سن سنة فله أجرها وأجر من عمل به.
وجدير بالذكر، أن هذه الحادثة كانت السبب الرئيس في تأسيس لجنة الفتوى بالأزهر.
وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول: إن الشيخ عبد المجيد سليم، كان يتمتع بكاريزما سياسية نادرًا ما تتوفر لرجل دين، وإلى حد علمي لم تتوفر هذه الكاريزما والحضور السياسي لأحد رجالات الأزهر المعاصرين إلا للشيخ محمد عبده. والحقيقة أن هذه الكاريزما دفعت الشيخ عبد المجيد لاتِّخاذ قرارات مصيرية في تاريخ الأزهر الحديث، وقد سجل فيها اعتراضًا صريحًا وواضحًا على محاولات الهيمنة على الأزهر! ومنها مثلًا، وقوفه أمام قرار تعيين الشيخ مصطفى عبد الرازق، شيخًا للأزهر، لما رأى في هذا القرار تدخلًا سافرًا من الحكومة في شؤون الأزهر، وأنه لا يتصور أن يكون شيخ الأزهر قد درس وسجل الدكتوراه في جامعة ليون، ويحفظ من كتب فولتير وجان جاك روسو أكثر مما يحفظ من ألفية ابن مالك، ولم يكن يومًا من كبار العلماء في الجامع الأزهر! وقدم استقالته من منصب الإفتاء؛ ردًا على هذا التدخل، وقد تعرض لكثير من الضغوط والتهديدات؛ ليتراجع عن استقالته، فكان رده على مبعوث الحكومة: ” هل تمنعونني من الصلاة في المسجد؟ فقال له: لا. فقال الشيخ: ماذا عليَّ لو عشت ما بقي من حياتي بين بيتي ومسجدي!”. وأصر على استقالته دون خوف من تهديد أو خشية من وعيد.
ومنها أيضًا انتقاده لقرار الحكومة، بتقليل ميزانية جامعة الأزهر، وزيادة ميزانية جامعة القاهرة، وقد كان الشيخ عبد المجيد يومها شيخ الأزهر، فكتب مقالًا بعنوان: ” أتقتير هنا وإسراف هناك؟! ” فظن الملك فاروق أن شيخ الأزهر ينتقده؛ لأن فاروق يومها كان يُقامر بأموال المصريين في بيوت القمار بإيطاليا، فأصدر قرارًا بعزله من مشيخة الأزهر قبل عودته لمصر.
#إعادة_نشر