شرح العقلية السياسية في إيران من خلال كتاب “شجرة الفستق”
يُسلّط الكتاب الضوء على ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية
- mabdo
- 8 مارس، 2026
- تقارير
- شجرة الفستق - إيران والعرب في قرن: 1914-2013, كتاب شجرة الفستق, مصطفى اللباد
كتاب “شجرة الفستق – إيران والعرب في قرن: 1914-2013” هو كتاب من 130 صفحة من تأليف مصطفى اللباد، أحد أكثر المحللين المصريين اطلاعاً ودقة والمتخصصين في السياسة الإيرانية والتركية.
رغم أن الكتاب لم يصدر إلا قبل بضعة أشهر، إلا أن اللباد كان قد أنجز نصه قبل وفاته في خريف عام 2019، عن عمر يناهز الخمسين عاماً. ومع ذلك، فإن حجة الكتاب لا تزال قوية، حتى في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية (أو بالأحرى الإسرائيلية الأمريكية) الحالية على إيران.
من خلال دراسة خيارات السياسة الخارجية الإيرانية منذ بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 وحتى عام 2013 في خضم اضطرابات الربيع العربي، يُسلّط اللباد الضوء على ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية، لا سيما فيما يتعلق بجوارها المباشر: الشرق الأوسط أساساً، وأوراسيا أيضاً. ويكتب أن جوهر هذه السياسة يُمكن تشبيهه بشجرة الفستق، وهي رمز إيراني.
يشرح اللباد أن شجرة الفستق رمزٌ للعمل الجاد والعزيمة. يستغرق الأمر من سبع إلى عشر سنوات حتى تُثمر الشجرة المزروعة أول محصول لها. ولتحقيق ذلك، يجب على الشجرة أن تتغلب على قسوة الأرض الجافة التي تنمو فيها من خلال مدّ جذورها عميقًا وواسعًا. وفي النهاية، عندما يصبح الفستق جاهزًا للحصاد، يبدو جذابًا للغاية لدرجة أن الإيرانيين يُطلقون عليه اسم “الفستق المبتسم”.
إن هذا المزيج من الصبر والعزيمة والسحر، الذي يشبه شجرة الفستق، هو ما يحدد العلاقات الخارجية الإيرانية، كما يكتب اللباد، “بغض النظر عن الأيديولوجية الحاكمة لنظامها الحاكم”.
يشرح الكتاب أن إيران، وهي حضارة عريقة وراسخة الجذور، لطالما راودتها الشكوك حيال نوايا جيرانها المباشرين، سواء كانوا عرباً أو روساً أو أتراكاً. ونتيجة لذلك، سعت لحماية مصالحها من خلال خيارات سياسية محسوبة بعناية، ساعيةً إلى تحقيق توازن دقيق بين علاقات حسن الجوار والمناورات الميكافيلية، لا سيما على الجبهة العربية الإسرائيلية.
يكتب اللباد أنه منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين وحتى أربعينياته، شجعت إيران إقامة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، بل وساعدت في تسهيل هجرة اليهود من إيران والعراق إلى الدولة الجديدة. ويوضح أن الهدف كان إبقاء العالم العربي منشغلاً بصراعه مع إسرائيل، وبالتالي ردعه عن استعداء إيران، لا سيما من خلال الأقلية العربية الكبيرة التي تعيش في جنوب غرب إيران قرب العراق.
في الواقع، يجادل اللباد بأن الخوف من العلاقات المحتملة عبر الحدود بين الأقلية العربية في إيران والسكان العرب المجاورين يفسر جزئياً إصرار طهران على تسمية الخليج بالخليج الفارسي، بدلاً من الخليج العربي، كما هو الحال في العديد من الدول العربية.
ويشير اللباد إلى أن صعود القومية العربية في عهد جمال عبد الناصر كان مصدر قلق بالغ لإيران، إذ وصل به الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران عام 1960 ردًا على تصريحات استفزازية أدلى بها الشاه محمد رضا بهلوي بشأن الشعب الفلسطيني. وخلال تلك السنوات، حافظ الشاه على شراكة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل.
ومع ذلك، كانت إيران قلقة بشأن الهزيمة العربية المدمرة على يد إسرائيل في عام 1967. ووفقًا للكتاب، خشيت طهران من أنه بمجرد أن يتضاءل التهديد العربي، ستشعر إسرائيل بأنها أقل إلزامًا بالحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران.
لاحقًا، عندما تولى أنور السادات السلطة، شهدت إيران بداية حقبة إقليمية جديدة. مدّ الشاه يد العون للدول العربية، لا سيما خلال حرب 1973. زودت إيران مصر بالنفط وساعدت في نقل متطوعين سعوديين جوًا إلى مرتفعات الجولان السورية. ومع ذلك، وكما يذكر اللباد، في الوقت نفسه، كانت إيران ترسل النفط والمساعدات العسكرية إلى إسرائيل.
يُظهر الكتاب أن العلاقات الإيرانية الإسرائيلية استمرت بطرق غير مباشرة حتى خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية التي تأسست عام ١٩٧٩. فخلال الحرب الإيرانية العراقية، سعت إيران، التي كانت تعاني من الضعف، إلى التواصل مع إسرائيل -رغم قطعها العلاقات الدبلوماسية الرسمية معها- للحصول على أسلحة عبر قنوات سرية. ويوضح اللباد أن طهران اعتمدت في ذلك على مصلحة إسرائيل في إضعاف العراق بقيادة صدام حسين. ويشير أيضًا إلى أن إسرائيل شنت هجومها على المفاعل النووي العراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية.
على الرغم من سنوات من العداء الكلامي بين إيران وإسرائيل، يرى اللباد أن تفسير دعم إيران للحركات المسلحة في العالم العربي، وخاصة حزب الله في لبنان، على أنه مجرد تعبير عن مشاعر معادية لإسرائيل، سيكون خطأً. بل يرى أن هذه الجماعات تخدم في المقام الأول طموح طهران الاستراتيجي الأوسع نطاقاً في ترسيخ نفوذها الإقليمي.
يذكر اللباد أيضاً أن إيران كانت في عام 2003 مستعدة للتفاوض على “صفقة شاملة” مع الولايات المتحدة بشأن مواقفها من إسرائيل، ودعمها للجماعات المسلحة، وحتى برنامجها النووي الذي بات مصدر قلق متزايد لإسرائيل والحكومات الغربية. ووفقاً للكتاب، فإن المتشددين داخل إدارة جورج دبليو بوش هم من رفضوا هذا المقترح.
في الوقت نفسه، يؤكد اللباد أنه على الرغم من شكوك إيران العميقة تجاه جيرانها العرب، إلا أن هناك روابط ثقافية ودينية لا يمكن تجاهلها، ولا سيما الإسلام. ويكتب: “بعض كبار علماء المسلمين، بل وحتى أساتذة اللغة العربية، هم في الأصل من أصل إيراني”.
يشير الكتاب إلى أن إيران سعت باستمرار إلى الحفاظ على نفوذ إقليمي واسع. وهذا يفسر جزئياً سبب وصف طهران في البداية احتجاجات الربيع العربي بأنها “صحوة إسلامية”، قبل أن تنخرط لاحقاً بشكل كبير في قمع الانتفاضة في سوريا دعماً للنظام الحاكم هناك.
بشكل عام، يقدم الكتاب سياقًا تاريخيًا موجزًا وشاملًا لعلاقات إيران بجيرانها العرب، وهو غني بالتفاصيل المثيرة للاهتمام. ويشير، على سبيل المثال، إلى اهتمام المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بكتابات سيد قطب، مُنظِّر جماعة الإخوان المسلمين، “لدرجة أنه ترجم بعضًا من مؤلفاته”. كما يستذكر العلاقة الوثيقة بين رئيس الوزراء الإيراني الأسطوري محمد مصدق والعالم العربي في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت متجذرة في مشاعر مشتركة مناهضة للإمبريالية. ويتناول الكتاب أيضًا دور الأزهر – أعرق مؤسسة علمية سنية – في التواصل مع المجتمع الشيعي خلال عهد جمال عبد الناصر.
صدر الكتاب عن دار هاشيت أنطوان اللبنانية. ومن المتوقع أن تصدر المزيد من مؤلفات اللباد في وقت لاحق من هذا العام عن نفس الدار.