سيدنا عمر يكافح الفساد الخفي

عامر الكبيسي يكتب

موقفٌ شهير من مواقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يشرح فكرة الفساد الخفي!! وهو القاتل الصامت للاقتصاد في كثير من الدول.

يُروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه رأى إبل ابنه عبد الله أكثر سِمَنًا وأفضل حالًا من إبل عامة الناس، فسأله عنها. فأجابه ابنه بأنها إبله الخاصة، اشتراها بماله وترعى في مراعي المسلمين كما ترعى إبل غيره.

لكن عمر لم ينظر إلى القضية من زاوية الملكية فقط، بل من زاوية العدالة.

فقال له ما معناه: عندما يرى الناس أنها إبل ابن أمير المؤمنين سيقولون: «ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين»، فتُمنح أفضل المرعى وأفضل الرعاية، وتحصل على ما لا يحصل عليه غيرها. وهنا تكون المنفعة قد جاءت من النفوذ لا من المنافسة العادلة.

لذلك أمر برد رأس المال إلى ابنه، وجعل ما زاد من الربح في بيت مال المسلمين.

هذه القصة تقدم تعريفًا عميقًا للفساد. فالفساد ليس دائمًا حقيبة أموال تُضبط متلبسة، ولا عقدًا مزورًا، ولا وثيقة تحمل توقيعًا مخالفًا للقانون. أحيانًا يكون الفساد ميزة غير مستحقة حصل عليها شخص لأن اسمه أو منصبه أو علاقاته فتحت له أبوابًا أُغلقت بوجه الآخرين.

لهذا فإن العدالة أوسع من القانون. فالقانون يبحث عن المخالفة المثبتة، أما العدالة فتبحث عن تكافؤ الفرص ومنع استغلال النفوذ قبل أن يتحول إلى ثروة أو امتياز أو احتكار.

وباختصار، عندما يظهر على مسؤول أو صاحب منصب مالٌ أو نفوذٌ أو امتيازاتٌ لا تتناسب مع تاريخه المعروف أو دخله المشروع، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل أمسكناه متلبسًا؟ بل: كيف حصل على ذلك أصلًا؟

اترك تعليقا