سلاح حزب الله بين التفتيش الدولي واختبار السيادة اللبنانية
في خطوة قد تعيد رسم طبيعة الوجود العسكري بالجنوب
- السيد التيجاني
- 12 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الوجود العسكري, جنوب لبنان, حزب الله, لبنان, نزع السلاح
تدخل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مرحلة أكثر تعقيداً مع بحث تشكيل آلية دولية للتحقق من نزع سلاح حزب الله، في خطوة قد تعيد رسم طبيعة الوجود العسكري والأمني في جنوب لبنان، وتفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً أمام خلافات حول السيادة اللبنانية وحدود صلاحيات القوات الأجنبية.
ووفق مصادر تحدثت إلى رويترز، برزت بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا ضمن قائمة مختصرة لدول قد تشارك في الآلية، سواء عبر إرسال أفراد للإشراف والمراقبة أو المشاركة في عمليات التفتيش. ولا يزال الاتفاق على شكل المهمة وتفويضها وصلاحياتها في مراحله الأولى.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من ارتباطها بإطار الاتفاق الذي توصلت إليه بيروت وتل أبيب بوساطة أمريكية في يونيو/حزيران الماضي، والذي يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله والتحقق من تنفيذ العملية.
وبذلك لم يعد الخلاف مقتصراً على مسألة وقف إطلاق النار، وإنما أصبح متعلقاً بترتيب أمني وسياسي طويل الأمد: من يملك حق حمل السلاح في جنوب لبنان؟ ومن يتحقق من تنفيذ عملية نزع السلاح؟ ومن يقرر ما إذا كانت إسرائيل قد استوفت شروط الانسحاب؟
بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا أمام مهمة شديدة الحساسية
اختيار هذه الدول الأربع، إذا تحول إلى اتفاق رسمي، يعكس محاولة لإيجاد صيغة دولية لا تعتمد بصورة مباشرة على طرف واحد. وبحسب رويترز، يمكن أن تساهم الدول في تحديد نطاق الآلية أو إرسال أفراد للإشراف على التنفيذ أو توفير قوات للمراقبة والتفتيش.
لكن وجودها لا يعني حتى الآن أن مهمة عسكرية دولية قد أصبحت أمراً محسوماً، إذ لم يتحدد التفويض النهائي ولا قواعد الحركة ولا طبيعة الصلاحيات التي ستحصل عليها القوات الأجنبية.
وتبرز هنا مسألة شديدة الحساسية: التفتيش داخل القرى والمنازل الخاصة. فقد قالت مصادر لرويترز إن الآلية المقترحة قد تشمل تفتيش قرى في جنوب لبنان للتحقق من خلوها من الأسلحة، بينما تريد إسرائيل أن تمتد عمليات التفتيش إلى المنازل الخاصة.
في المقابل، واجه الجيش اللبناني خلال الفترة الماضية ضغوطاً لتفتيش الممتلكات الخاصة، لكنه يخشى أن يؤدي ذلك إلى مواجهة مباشرة مع السكان أو حزب الله. كما أن مسؤولين أمنيين لبنانيين أشاروا إلى الحاجة إلى مذكرات قانونية لتفتيش المنازل.
وهذا يجعل مسألة الصلاحيات أهم من مسألة أسماء الدول نفسها. فالقوة الأجنبية قد تكون مقبولة سياسياً إذا اقتصر دورها على المراقبة، لكنها قد تصبح موضع رفض لبناني واسع إذا امتلكت حق الدخول إلى المنازل أو مصادرة الأسلحة أو اعتقال الأشخاص.
لماذا اختيرت قوة أجنبية أصلاً؟
السبب الرئيسي هو أزمة الثقة بين الأطراف. إسرائيل لا تريد الاعتماد على تعهدات لبنانية غير قابلة للتحقق، بينما تخشى بيروت أن تتحول عملية نزع السلاح إلى غطاء لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. لذلك تحاول واشنطن بناء طبقة ثالثة من التحقق يمكن أن تقدم تقارير مستقلة حول مدى تنفيذ الالتزامات.
لكن هذه المعادلة تحمل تناقضاً أساسياً. فإذا كانت القوات الأجنبية تتمتع بصلاحيات واسعة، فقد تُتهم بالتدخل في السيادة اللبنانية. وإذا كانت صلاحياتها محدودة، فقد ترى إسرائيل أن الآلية غير قادرة على ضمان إزالة قدرات حزب الله العسكرية.
وقد أظهرت التحليلات السابقة أن هذه المعضلة ليست جديدة. فقد رأى المحلل الإسرائيلي داني سيتريـنوفيتش، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن تفكيك حزب الله بالكامل أمر غير واقعي، محذراً من أن صيغة الاتفاق قد تفضي عملياً إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.
وفي المقابل، يرى أن التركيز على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتوسيع سلطة الدولة، قد يكون أكثر قابلية للتطبيق.
المخاوف اللبنانية: هل تتحول الآلية إلى مواجهة داخلية؟
أخطر ما تواجهه الخطة ليس بالضرورة الرفض الإسرائيلي أو حزب الله، بل احتمال أن تؤدي عملية التنفيذ إلى أزمة داخلية لبنانية.
فالدولة اللبنانية تحاول استعادة احتكارها للسلاح دون الدخول في مواجهة شاملة مع حزب الله. ولذلك فإن مطالبة قوات أجنبية بتفتيش منازل في مناطق ذات حضور قوي للحزب قد تضع الجيش اللبناني بين خيارين : تنفيذ الاتفاق بالقوة، بما قد يفتح الباب أمام صدام داخلي، أو الامتناع عن التنفيذ، بما يمنح إسرائيل ذريعة للقول إن شروط الانسحاب لم تتحقق.
وكانت وكالة رويترز قد نقلت في تحليل سابق عن محللين تحذيرات من أن الاتفاق نفسه قد يكرس حالة الجمود بدلاً من إنهاء الحرب، لأن لبنان مطالب بتنفيذ شرط يصعب عليه فرضه، بينما تستطيع إسرائيل ربط انسحابها باستمرار عدم تحقق الشرط.
المحلل اللبناني-الأمريكي مايكل يونغ حذر من مخاطر الانزلاق إلى صراع داخلي إذا فُرض نزع السلاح بصورة قسرية، بينما قال المحلل محمد عبيد، المعروف بقربه من وجهة النظر المؤيدة لحزب الله، إن بنود الاتفاق قد تؤدي إلى تفجير الاستقرار الداخلي اللبناني. وفي الاتجاه الآخر، ترى شخصيات وخبراء مؤيدون لتعزيز سلطة الدولة أن استمرار السلاح خارج مؤسساتها هو أصل المشكلة الأمنية والسياسية.
حزب الله وإيران: العقبة الأكثر صعوبة
تظل موافقة حزب الله على نزع سلاحه السؤال الأكبر. فالحزب لم يتعامل مع نزع السلاح بوصفه مجرد ترتيبات تقنية، وإنما يعتبر السلاح جزءاً من هويته ودوره السياسي والعسكري. كما أن إيران، التي تمثل الداعم الإقليمي الأساسي للحزب، عارضت فكرة نزع سلاحه.
ويرى كريم صفي الدين، الباحث غير المقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن الوصول إلى لحظة يمكن وصفها بأنها “نزع سلاح حزب الله” بصورة كاملة أمر غير مرجح، مشيراً إلى أن الحزب، رغم تراجع قدراته مقارنة بالسنوات السابقة، يظل تنظيماً منظماً يستطيع إيجاد طرق للحفاظ على قدرات تسليحية محلية.
أما نيكولاس بلانفورد، الباحث غير المقيم في المجلس الأطلسي والمتخصص في شؤون حزب الله، فيرى أن فكرة تدريب قوة لبنانية خاصة لمواجهة الحزب ليست قابلة للتطبيق سياسياً، لأن الحكومة اللبنانية لن تكون على الأرجح مستعدة لتحويل الجيش إلى قوة مكلفة بمواجهة الحزب مباشرة.
في إسرائيل: الاتفاق فرصة أمنية أم طريق إلى وجود طويل؟
داخل إسرائيل، ينظر كثيرون إلى نزع سلاح حزب الله باعتباره شرطاً ضرورياً لمنع عودة الهجمات على البلدات الشمالية.
ومن هذا المنظور، فإن وجود آلية دولية للتحقق قد يمنح إسرائيل أداة للتأكد من أن المناطق التي تنسحب منها لا تعود إلى أنشطة حزب الله العسكرية.
لكن هناك اتجاهاً آخر يخشى أن يؤدي غموض الآلية إلى نتيجة عكسية. فإذا لم يتمكن المراقبون الدوليون من إثبات إزالة الأسلحة، فقد تقول إسرائيل إن شروط الانسحاب لم تتحقق، وبالتالي يستمر وجودها العسكري.
وهنا تظهر نقطة الخلاف الجوهرية التي حذر منها محللون سابقاً: الاتفاق قد يتحول من آلية لإنهاء الوجود الإسرائيلي إلى آلية لتبرير استمراره. وقد خلص تحليل لرويترز في يونيو إلى أن ربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله قد يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً لإبقاء قواتها في الجنوب لفترة مفتوحة إذا تعذر تنفيذ الشرط.
هل يمكن بناء حل وسط؟
توجد بالفعل أفكار بديلة أكثر تدريجية. فقد اقترحت دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نموذجاً يعرف باسم DDR، أي نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مع تحويل العملية إلى مسار تدريجي يجمع بين نزع السلاح وإعادة دمج العناصر وإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية. وشارك في إعداد الدراسة أورنا مزراحي وأودي ديكل وأوفير جوتيرمان.
هذا النموذج يختلف عن فكرة “تفتيش المنازل ثم مصادرة الأسلحة” لأنه ينظر إلى حزب الله ليس باعتباره مجرد مخازن أسلحة، وإنما باعتباره بنية سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية متداخلة داخل الدولة والمجتمع.
وفي السياق نفسه، حذرت الباحثة حنين غدار من أن التعامل مع نزع السلاح باعتباره عملية عسكرية فقط لن يكون كافياً، لأن شبكة حزب الله السياسية والاقتصادية والمؤسساتية تحتاج إلى معالجة موازية.
ماذا يمكن أن يحدث خلال الأشهر المقبلة؟
السيناريو الأول هو نجاح تدريجي للآلية، بحيث تبدأ القوات الأجنبية في مناطق محدودة، ويُسمح لها بالمراقبة والتحقق بالتنسيق مع الجيش اللبناني، مقابل انسحابات إسرائيلية محدودة. وهذا السيناريو هو الأكثر استقراراً، لكنه يتطلب تنازلات من جميع الأطراف.
السيناريو الثاني هو آلية محدودة الصلاحيات، تركز على جنوب الليطاني والمواقع العسكرية المعروفة، دون تفتيش شامل للمنازل. وقد يكون هذا الحل أكثر قابلية للقبول لبنانياً، لكنه لن يلبي بالضرورة المطالب الإسرائيلية بالكامل.
السيناريو الثالث هو تعثر التنفيذ. وفي هذه الحالة قد ترفض بيروت منح القوات الأجنبية صلاحيات واسعة، أو يعترض حزب الله على عمليات التفتيش، أو ترى إسرائيل أن نزع السلاح غير كافٍ. عندها قد يستمر الجيش الإسرائيلي في مواقع داخل الجنوب، بما يخلق حلقة جديدة من التوتر.
أما السيناريو الرابع والأخطر فهو مواجهة داخلية لبنانية إذا حاولت الدولة فرض عملية نزع السلاح بالقوة. وقد حذر محللون بالفعل من أن إجبار الدولة اللبنانية على مواجهة حزب الله عسكرياً قد يشعل توترات طائفية وصراعاً داخلياً.
القائمة التي تضم بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا تمثل تطوراً مهماً، لكنها لا تعني أن القوة الدولية أصبحت جاهزة للانتشار. المعركة الحقيقية ستدور حول التفويض والصلاحيات وحدود التفتيش وآلية اتخاذ القرار.
ومن المرجح أن يكون الحل الأكثر واقعية هو نموذج تدريجي: تعزيز الجيش اللبناني، انسحاب إسرائيلي مرتبط بمراحل محددة، مراقبة دولية مستقلة، وعمليات تحقق محددة قانونياً بدلاً من تفتيش شامل للمنازل منذ اليوم الأول.
أما محاولة تنفيذ نزع سلاح شامل وسريع لحزب الله عبر قوة أجنبية، فستواجه عقبات سياسية وأمنية واجتماعية هائلة. ولذلك فإن نجاح المسار لن يتوقف فقط على موافقة إسرائيل ولبنان، بل على قدرة الولايات المتحدة على التوفيق بين ثلاثة أهداف متعارضة: ضمان أمن إسرائيل، استعادة سيادة الدولة اللبنانية، ومنع تحول عملية نزع السلاح إلى حرب لبنانية داخلية جديدة.
وفي ضوء مواقف الخبراء وتناقض مصالح الأطراف، يبدو أن التوقع الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو بدء آلية محدودة أو تجريبية بدلاً من عملية شاملة، مع بقاء ملف السلاح الثقيل ومستودعات الأسلحة والقدرة العسكرية لحزب الله موضع تفاوض طويل.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في اختيار الدول الأربع، وإنما في معرفة ما إذا كان المجتمع الدولي يستطيع التحقق من نزع السلاح من دون أن يتحول بنفسه إلى طرف في الصراع اللبناني.