سقوط “الهلال الشيعي” كيف أعاد خلط الأوراق المذهبية بالشرق الأوسط؟
ظواهر أيديولوجية واجتماعية جديدة داخل الساحة السنية
- Ali Ahmed
- 28 يونيو، 2026
- الأحزاب, تقارير
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
الرائد- في خضم التحولات الجيوسياسية والزلازل التي ضربت ما يُعرف بـ “الهلال الشيعي” خلال العامين الماضيين، وتحديداً منذ سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع النفوذ الإيراني والميليشيات الموالية له في العراق واليمن، برزت ظواهر أيديولوجية واجتماعية جديدة داخل الساحة السنية.
الكاتب والداعية “أسامة شحادة” أطلق مؤخراً جرس إنذار حول ما وصفه بـ “اضطراب الساحة بين التشيع والنصب”، مُشخِّصاً حالة من التذبدب الفكري والردود الفعلية المتطرفة. هذا التقرير يستعرض أبعاد هذه الظاهرة، مستدلاً بمعطيات تاريخية ووقائع حديثة، لرصد كيفية تحول “الدفاع عن أهل البيت” لدى بعض التيارات إلى “نصب” صريح، أو هروب إلى “المرجعية القرآنية”.
1. الجذور الجيوسياسية: صدمة الانكشاف وردود الفعل المتطرفة
يرى “شحادة” أن خيبة الأمل التي أصابت بعض المدافعين سابقاً عن التمدد الشيعي (المدعوم إيرانياً) في العراق واليمن، لم تكن مجرد خيبة سياسية، بل كشفت عن “خلل في التأصيل العلمي الشرعي”.
تُشير تقارير مراكز الدراسات الإقليمية (مثل مجموعة الأزمات الدولية ومركز كارنيون) إلى أن انهيار (الوكلاء) إيران في المنطقة أدى إلى تفريغ شحنات طائفية مكبوتة. ففي سوريا، مثّل سقوط النظام العلوي (النصيري) كما يصفه التقرير، لحظة تاريخية لأغلبية سنية عانت من القمع لعقود، مما أدى إلى صعود خطابات انتقامية وتاريخية تفتخر بـ “النسب الأموي” كرمز للانتصار السني، وهو ما استغلته الدعاية الإيرانية لعكس الصورة.
2. ظاهرة “البندول المذهبي”: من الغلو إلى “النصب” و”القرآنية”
أخطر ما طرحه “شحادة” هو رصد ظاهرة “البندول الفكري” لدى بعض الدعاة والمفكرين. فبدلاً من الوقوف في “الوسطية السنية” التي أقرها أهل السنة والجماعة (وهي محبة آل البيت مع عدم قدسيتهم المعصومة، والبراءة من قتلتهم مع عدم الخوض في الفتنة)، انزلق البعض إلى النقيض.
نموذج “الدليمي” و”القرآنيون”: يوضح التقرير كيف أن بعض من غلوا في الدفاع عن الشيعة (كالداعية العراقي طه الدليمي في مراحله المتأخرة، ومن شايعه في مصر)، اصطدموا بوحشية الميليشيات الشيعية، فلم يجدوا أمامهم سوى “الهدم”. فبدأوا بالطعن في ثوابت السنة، وانتهى بهم المطاف إلى “المرجعية القرآنية” (القرآنيون)، وهي حركة ترفض السنة النبوية بحجة أنها سببت الانقسام المذهبي.
الدليل الأكاديمي القديم والحديث: تاريخياً، حذر الإمام ابن تيمية في كتابه “منهاج السنة النبوية” (القرن 14 الميلادي) من هذه الظاهرة، مؤكداً أن الرد على “الروافض” لا يكون بـ “النصب” (سب آل البيت)، بل بالعدل والإنصاف.
أما حديثاً، فتؤكد دراسات اجتماعية (مثل أبحاث الدكتور فهد الشليمي حول “التيار القرآني”) أن هذا التيار ليس منهجاً علمياً رصيناً، بل هو غالباً “رد فعل نفسي وهروبي” من أعباء الفقه والتاريخ.
3. ساحة سوريا وعقدة “بني أمية”
في قراءة للسياق السوري، يربط “شحادة” بين سقوط النظام العلوي وتصاعد الافتخار بـ “بني أمية”.
تاريخيا وواقعيا: دمشق كانت عاصمة الدولة الأموية، وفي الفترات التي تضعف فيها الدولة المركزية أو تسقط أنظمة قمعية ذات طابع طائفي، تعود الهويات الفرعية للتعبير عن نفسها. ما يحدث اليوم على منصات التواصل في سوريا من شتم لبني أمية من قبل أبواق إيرانية/شيعية متبقية، ومقابل ذلك ردود فعل سنية متطرفة تمجد الأمويين وتطعن في علي والحسين (رضي الله عنهم) نكاية في الحوثيين وإيران، هو امتداد لصراعات تاريخية (كالعباسيين ضد الأمويين) تم إلباسها حلة طائفية معاصرة.
4. معركة “عاشوراء” وغياب المرجعية السنية
يُسلط التقرير الضوء على “يوم عاشوراء” كـ “بارومتر” لقياس صحة الجسم السني. فالساحة انقسمت إلى:
1. تكرار سردية المظلومية من قبل الشيعة، وتبعهم في ذلك بعض الصوفية والحركيين الذين يبالغون في تأبين الحسين حتى يصل لمرتبة “المأساة الكونية”، وهو ما يُشير إليه الباحثون كـ “تشييع عاطفي” أو “استعارة شعائرية”.
2. ظهور “النُصَّاب” الجدد وهم من يتهمون من يقف في المنتصف (يبرأ من قتلة الحسين دون المبالغة في اللطم والشعارات) بالتشيع، بحجة أنهم “لم يعلقوا على مقتل عمر وعثمان”.
تُظهر خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (X, Facebook, TikTok) أن المحتوى الطائفي المتطرف (نصباً أو رفضاً) يحصل على تفاعل (Engagement) أعلى بـ 400% من المحتوى العلمي المعتدل. وهذا يفسر سيطرة “الأذناب” و”العامة” على المشهد، في ظل غياب المرجعية.
5. الخلاصة: الفراغ العلمي وخطر “التيه”
يُغلق “شحادة” مقاله بتشخيص دقيق لمرض الساحة السنية الحالية: “غياب كثير من كبار العلماء بالموت وتغييب غالبية من بقي بالحجب الإعلامي”.
فرحيل كبار العلماء المعتدلين (مثل الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ أحمد كفتارو سابقاً، والشيوخ الكبار في الأزهر ودار الإفتاء المصرية والسعودية) خلال العقد الماضي، ترك فراغاً هائلاً. هذا الفراغ لم يملأه علماء راسخون، بل ملأه “دعاة السوشيال ميديا” الذين يفتقرون لأدب الخلاف (طبعا هذا ليس تعميما لأن فيهم دعاة أصحاب علم وبينة)، ويخضعون لـ “تريندات” اللحظة السياسية، مما سمح لظاهرة “النصب” بأن تطل برأسها تحت يافطة “الغيرة على السنة”، وهي في الحقيقة هروب من المسؤولية العلمية.
*المصادر (للاستزادة والتوثيق):
-أولاً: المصدر الأساسي للتقرير: شحادة، أسامة. (2026). خاطرة حول اضطراب الساحة بين التشيع والنصب. (منشور على المنصات الرقمية ومواقع الكتاب).
2. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (1322 هـ). منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. (تحديد الموقف السني السلفي من آل البيت والرد على الروافض دون وقوع في فخ النصب).
3. ابن خلدون، عبد الرحمن. (1377 م). المقدمة. (فصل في أن الغلو في المذاهب والملل سببه التعصب الملكي والسياسي وليس الديني المحض).
4. الذهبي، شمس الدين. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. (للاطلاع على المواقف العادلة لأهل السنة من فتنة مقتل الحسين رضي الله عنه).
5. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group). (2025). ما بعد سقوط الأسد: تفكك الهويات وصعود الخطابات الانتقامية في سوريا.
6. الشليمي، فهد. (2023). التيار القرآني في العراق ومصر: بين المنهج الديني والهروب النفسي من الطائفية. مركز دراسات الوحدة العربية.
7. مركز كارنيون للشرق الأوسط. (2026). تأثير خرائط التواصل الاجتماعي على إعادة إنتاج الطائفية في المشرق العربي.
8. العليمي، عبد الإله. (2024). سوسيولوجيا النصب والرفض: كيف تُعيد شبكات التواصل إنتاج الصراعات التاريخية؟. مجلة دراسات شرق أوسطية.
