رمضان ثورة على النفس

د. حلمي الفقي يكتب

نفس الإنسان هي أعدى أعدائه، وأخطر قرنائه، وهى أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعيذ بالله عز وجل من النفس وشرورها فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا” رواه أبو داود والترمذي وصححه، وعن على بن أبي طالب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي” رواه مسلم، وذلك لخطورة النفس على استقامة الإنسان، والتزام درب الإيمان، وطاعة الرحمن، ولما لها من دروب خفية، وخدع خبيثة في تزيين العصيان، ومواكبة الشيطان، فإن طاوعها الإنسان أصبحت مارادا عتيا، وشيطانا عصيا، تقود خطاه إلى المهالك، قال تعالى: ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا 7 فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا 8 قد أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا 9 وَقد خَابَ مَن دَسَّىٰهَا 10﴾ [الشمس: 7-10]

فكان شهر رمضان هدية ربانية، ومنحة إلهية للمسلمين ليتوب عاصيهم، ويتذكر غافلهم، وليعود إلى الصراط المستقيم من زاغت قلوبهم، وتمردت نفوسهم، فأضلتهم الشبهات، واسترقتهم الشهوات، فكان شهر رمضان هو المنحة الإلهية الكبري لترويض النفس الإنسانية، وإعادتها إلى رضوان ربها، ودرب خالقها الذي ارتضاه لها، ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ ﴾ [الزمر: 7]

وشهر رمضان هو ثورة عارمة على النفس لتطهيرها من أمراضها، وتغيير عاداتها، والتخلص من آفاتها، وتحليها بالفضائل، وتلبسها بالكمالات التي ارتضاها لها، وكان لهذه التخلية وتلك التحلية صورا كثيرة منها:

1-     الفرح بمقدمه

فالمسلمون يفرحون بالروحانيات التى يعم عبيرها المكان والزمان، وينبعث أريجها في الوجدان، يشرح الصدور، ويسكب فيها السكينة والطمأنينة.

يفرح المسلمون بقدوم شهر الخير والإحسان، والرحمات والعتق من النيران، والفوز بالجنان، يفرحون بالمنحة الإلهية لتربية النفس، وتخليصها من قبيح العادات، وتحليتها بجميل الصفات، وتعويدها على الصبر والحزم، وتقوية الإرادة والعزم، يقول الشيخ سلمان العودة في كتابه مع الصيام: “يفرح المؤمنون بشهر رمضان، وتنشرح نفوسهم، وتسمو أرواحهم، فهو مدرسة للتربية وإعداد النفس، والتخلي عن عادات مستحكمة، واكتساب أنماط من السلوك فاضلة، متى كنا واعين بعظمة هذه الفرصة، مدركين أثرها، ومع الإشادة  بكل بادرة  خير من مسلم، مهما دقَّت وجلَّت؛ فإن التغيير الذي تحدثه العبادة يمكن أن يكون تحولا جوهريا وليس التزاما طارئًا، أو حالة عابرة”

فنحن المسلمين نفرح بقدوم شهر الرحمة والمغفرة، وتنشرح صدورنا، وتنفرج أساريرنا، وكأن أبواب السماء مفتوحة، تتنزل منها الرحمات، وأريج السكينة، ونور الطمأنينة يغمر النفوس، ويطغى على القلوب.

2-     رمضان جهاد للنفس وتقوية للعزم

صيام رمضان ليس فقط امتناع عن الطعام والشراب، وسائر المفطرات بل هو في الأصل جهاد للنفس حتى يسلس قيادها، وتلين قناتها، ويستقيم أمرها على منهاج ربها سبحانه وتعالي، وشهر رمضان ثورة عارمة على النفس لتتحرر من أسر العادات التي تحكمت فيها، وصعب عليها التخلص من رقها، والفرار من سجنها، حتى تكون القيادة للحكمة والعقل، لا للهوى والنفس، فالصوم جهاد مشروع، وحصن مرفوع، وتربية بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لاكتساب القوة النفسية والإرادة الفولاذية لإصلاح النفس، وتقويمها، ومجاهدتها، لتستقيم على منهاج ربها، وسنة نبيها.

فالصيام على الوجه الذى يريده الحق سبحانه وتعالي، ويرضاه، هو امتناع عن كل المفطرات، واجتناب كل السيئات، وابتعاد عن سائر المحرمات، من الكذب والغيبة وقول الزور، وأكل الحرام، والظلم والغش بكل أشكاله وألوانه، فإذا جاهد المسلم نفسه، وصام على هذا الوجه، كان قمينا بهذا الصيام، أن يزرع المراقبة في النفوس، والتقوى في القلوب، والتي هي الغاية من الصوم، قال تبارك وتعالي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]

والتقوى هى اكتساب القوة النفسية اللازمة لامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وفعل الحسنات، واجتناب السيئات، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه الصوم تربية وجهاد: ” والتقوى في شطرها الأول كف وانتهاء، وابتعاد واجتناب، لكنها في شطرها الثاني اقبال واقتراب، وإنشاء وبناء” ويقول أيضا في نفس المصدر: “فلئن كان الصوم قد علمك اليوم أن تصبر طائعا مختارا في وقت الأمن والرخاء، فأنت غدا أقدر على الصبر والمصابرة في البأساء والضراء وحين البأس، ولئن كان الصوم قد علمك اليوم كيف تنتصر على نفسك، فلقد أصبحت به أجدر أن تنتصر على عدوك”

فالصوم جهاد للنفس والتي هي ميدان الجهاد الأول، فمن انتصر عليها كان على غيرها أقوى وأقدر، ومن عجز عن إصلاحها كان على غيرها أضعف وأعجز.

3-     الصيام جنة

عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  (‌الصيام ‌جنة، ‌فلا ‌يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم – مرتين – والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) متفق عليه.

والجنة أى الستر والوقاية، قال ابن عبد البر في التمهيد: ” فالصيام يقي الإنسان من كل ما لا يصلح من القول كالفحش، والخنا، والغيبة والنميمة، والكذب واللعن والشتم، وسائر الكلام الباطل، والمعاصي”

فالصيام يهذب النفس، ويرتقي بالخلق، لأنه جنة ووقاية وستر من سائر المعاصي في الدنيا، وستر وحجاب من النار في الآخرة.

لذا قيل: إنه لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمتقين.

قال القاضي عياض في إكمال المعلم: ” معناه ستر من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك”

قال ابن العربي: “إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا، كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة”

والصيام الذي يصل بالمسلم لهذه المنزلة السامية، والدرجة العالية، هو الصيام الكامل الذي تصوم فيه الجوارح عن المفطرات والشهوات، وتمتنع فيه من إتيان المحرمات، واقتراف السيئات، فيحفظ بطنه عن الحرام، ولسانه عن كل الآفات والزلات، ويحفظ قلبه من كل الأمراض، فيطهره من سوء الظن، ومن الحقد والحسد، والرياء والكبر والعجب، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه أبو سعيد رضى الله عنه: ” من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغى له أن يتحفظ كفر ما قبله” صححه ابن حبان

ولذا قيل: ” فليس من المقصود من تشريع الصيام نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من قوة الإرادة وكسر الشهوة، وتطويع النفس الأمارة بالسوء، فإذا لم يحصل ذلك فإن الله لا ينظر لهذا الصوم نظر القبول”

فالمسلم حين يصوم الصيام الصحيح، فهو يشن حربا لا هوادة فيها على النفس من كل جوانبها، لتقويم عوجها، وتهذيب سلوكها، وإصلاح عيوبها، وذلك لا يكون إلا بمحاسبتها، ومجاهدتها ومعاتبتها، ومعاقبتها على تقصيرها في حق ربها.

4-     الكرم والجود والثورة على الشح والبخل

رمضان شهر الجود والسخاء، والبذل والعطاء، والمبادرة بالإنفاق في كل المكرمات، وسائر وجوه البر، وهذه لا بد لها من ثورة على النفس تخلصها من شحها، وتطهرها من بخلها، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]

وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة” متفق عليه.

وبصفة عامة فإن ملاك الأمر في السير إلى الله هو الانخلاع من العادات والتحلي بالكمالات، وهذه تحتاج عزائم قوية سبيلها الصيام والذي هو في حقيقته التغيير في كل شيء، في العلاقة بالله وبالنفس، وبالناس.

المصدر: جريدة الأمة الإليكترونية