رسائل كوهين وسرقة ارشيف إيران
هاني الكنيسي يكتب
- dr-naga
- 23 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- أرشيف إيران النووي في رواية الموساد, رسائل كوهين السياسية, هاني الكنيسي
سرقة القرن من أرشيف إيران النووي في رواية الموساد .. ورسائل كوهين السياسية
المقابلة التي أجراها رئيس الموساد السابق ‘يوسي كوهين’ مع مجلة ‘لكسبريس’ L’Express (أي القطار السريع) الفرنسية العريقة بالتزامن مع إقرار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في محادثات سويسرا الأخيرة، ليست فقط مثيرة فيما كشفته من تفاصيل عن أهم العمليات الاستخباراتية التي نفذها الجهاز الإسرائيلي ضد إيران خلال العقد الأخير، بل تبدو لافتة فيما تحمله من رسائل سياسية وأمنية وشخصية في هذا التوقيت.
‘كوهين’ (البالغ من العمر 64 عاماً)، الذي رأس جهاز الموساد بين 2016 و 2021، والذي جاهر في مقابلة تلفزيونية (أغسطس 2025) بأنه يرى نفسه “الأنسب” ليكون رئيس الوزراء القادم لإسرائيل، عقب إخفاقات 7 أكتوبر 2023، ونشر في أواخر عام 2025 كتاب مذكراته بعنوان “The Sword of Freedom” (سيف الحرية)، والذي اعتٌبر بمثابة “بيان انتخابي” يستعرض فيه مؤهلاته القيادية والدبلوماسية، قبل أن يعود هو نفسه ليعلن لاحقًا قرار عدم الترشح في الانتخابات العامة (المقررة في أكتوبر المقبل) “لأسباب عائلية”، استغل المقابلة الجديدة ليجدد موقفه “السياسي”، موجّها سهامه إلي النتنياهو مباشرةً بالقول: “أعتقد أننا بحاجة ماسّة إلى تغيير .. ثمانية عشر عاماً كرئيس وزراء، هذا يكفي”.
ولم تتوقف الرسائل “السياسية” لرئيس الموساد السابق عند حدود الجبهة الداخلية، بل تعمّد الإشارة إلى أنه يملك “من الخبرة مع الإيرانيين” ما يسمح له بالتعليق على قضية الساعة في الساحة الدولية، طارحًا مسوغات رفضه للتفاهمات الأمريكية الإيرانية الأخيرة وللمسار التفاوضي برمته، بالقول: “المشكلة ليست في صيغة الاتفاق وحدها، بل في إيران نفسها. طهران لا تستحق اتفاقاً لن تحترمه. قياداتها ستحاول دائماً الوصول إلى القنبلة النووية، أياً كان الاتفاق الموقّع. هذه طبيعتهم وثقافتهم ومشروعهم الوطني”.
ومن هذا المنطلق، استغل ‘كوهين’ المقابلة الصحفية في الدعاية لنفسه وللنسخة الفرنسية من مذكراته الصادرة مؤخرا عن دار نشر ‘ميشيل لافون’ بعنوان “Combattre pour la liberté” (النضال من أجل الحرية)، معيدًا التذكير بنجاحات الاستخبارات الإسرائيلية “في عهده” على حساب إيران، وفي مقدمتها سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، ليلة 31 يناير 2018.
القصة بدأت -وفق روايته- عام 2016، مع تولىه قيادة الموساد ورصد “تصرفات مريبة” من العالم النووي الإيراني ‘محسن فخري زاده’، الذي كان “يجمع وثائق سرية من مواقع متفرقة وينقلها إلى مخزن مجهول”.
وفي التفاصيل، يروي ‘كوهين’: “حاستي السادسة أوعزت لي بالتركيز على الرجل الذي يقود الجهد العسكري السري لتصنيع القنبلة النووية منذ سنوات. وعندها أصدرت أمرين فوريين: مراقبة ‘فخري زاده’ بأعلى أولوية، ثم الانتقال من الرصد إلى محاولة الاستيلاء على أصول الوثائق، لا نسخها فحسب”.
وبعد نحو عام، كما يدّعي، “تم تحديد المستودع في منطقة صناعية بضواحي طهران، لكن زيارة وزير الدفاع الإيراني المفاجئة للموقع دفعت ‘فخري زاده’ إلى نقل كل المواد إلى مكان آخر دون علم وزيره، ما اضطر فريق الموساد إلى قضاء عام إضافي من الإعداد”.
ويستفيض ‘يوسي كوهين’ خلال المقابلة في شرح تفاصيل العملية التي يصفها بأنها “إحدى أكثر عمليات الاستخبارات تعقيداً في تاريخ إسرائيل الحديث”. فيوضح أن عدد المشاركين فيها بلغ 800 شخص، بالإضافة إلى التعاون مع “شبكة من الشركات الوهمية، ووثائق التغطية، وفرق التدريب، والمشتريات اللوجستية”.
ثم يقول بزهو: “أردت نقل نصف طن من المواد والوثائق الأصلية، بما في ذلك 55 ألف صفحة ورقية و183 قرصاً مدمجاً ذات صلة بمشروع “آماد” لتطوير السلاح النووي، إلى إسرائيل. لو أخذنا نسخاً فقط لقال الإيرانيون والعالم إننا زوّرناها. لديّ أوراق بخط يد ‘علي شمخاني’ و’فخري زاده’ وغيرهما .. كلاهما اختفيا لاحقًا. لكن الأصول لا تزال في مقر الموساد حتى اليوم”.
لكن أكثر تفاصيل القصة إثارة حسب رواية ‘كوهين’، هي ما جرى خلف الكواليس قبل تنفيذ العملية. إذ يزعم أن الموساد “بنى في بلد أفريقي ما يحاكي نموذجا حقيقيا مصغرا لمدينة طهران”، وردًا على سؤال: “لماذا في أفريقيا وليس داخل إسرائيل؟، كانت إجابته: “لأن الجميع يراقب إسرائيل”.
ثم يتابع وصف ما يشبه سيناريوهات هوليوود، قائلًا: “اشترينا نفس الخزائن الإيرانية الضخمة. وكل خزانة كانت عملية صعبة بحد ذاتها لمعرفة كيف ندخل إليها. بل واشترينا حتى الكلاب، لأننا علمنا أن المكان محروس بكلاب من نوع معين، وكان علينا إخراسها حتى لا تنبح”.
وعلى هذا المنوال، يكمل ‘كوهين’ تفاصيل “سرقة القرن” التي يؤكد أنها شكلت أكبر ضربة نفسية وأمنية وسياسية لإيران، ويتباهى بأنه تولى الإشراف عليها شخصيًا، وبأنه شارك بدور ريادي في صناعة “مدرسة موسادية” كاملة تجيد فنون الخداع والتشويش والمناورة على أرض الخصم واختراق سلاسل التوريد العالمية.
وهنا ينتقل في المقابلة إلى الحديث عن عملية تفجير أجهزة النداء (البيجر) الخاصة بحزب الله في سبتمبر 2024، مدّعياً أن جذور الفكرة تعود إلى عشرين عاماً “عندما كنت أصغر سناً وأسّست قسماً جديدًا في الموساد باسم ‘العمليات الخاصة’. وكانت أولى مهامه، أن نكون جزءاً من سلاسل التوريد. فإذا علمت أنك تريد شراء ساعة جميلة مثلًا، أجهّز نسخة طبق الأصل منها وموزّعاً وهمياً، فتشتريها دون أن تدري أنك تتعامل مع وكيل للموساد”.
ويضيف: “أتذكر حين وافقت شخصياً على إنتاج أول جهاز ‘بيجر’ مستنسخ. جاءتني الوحدة التقنية بطلب شراء من حزب الله. أعدنا تصنيع الأجهزة بنفس الوزن والشكل والأداء، والأهم أن تبدو متطابقة تحت الأشعة السينية، لكنها تحتوي على متفجرات بوزن محدد، وتتحكم فيها أداة تفجير عن بُعد ونظام تتبِّع للموقع”.
