رجال الحكم في إيران وسيناريوهات الحرب

الانقسامات الداخلية وموقف المرشد

في خضم حرب مفتوحة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ فبراير 2026، تبرز تساؤلات جوهرية حول هيكل السلطة في طهران، والانقسامات داخل الحرس الثوري، وموقف المرشد الجديد من المفاوضات، وسيناريوهات استمرار الصراع حتى يونيو وما بعده. يستند هذا التقرير إلى تحليلات مراكز أبحاث مرموقة وتصريحات خبراء متخصصين.

أولاً: هيكل الحكم في إيران.. من يمسك بالسلطة فعلياً؟

تتركز السلطة في إيران في يد المرشد الأعلى الذي يجلس في قمة نظام متعدد الطبقات من المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة والقوات العسكرية الموازية. إيران هي جمهورية وثيوقراطية في آن واحد، لديها انتخابات وبرلمان ورئيس، لكن السلطات الدينية غير المنتخبة تمتلك القوة النهائية وفق تقرير ذا ناشونال.

ويُعد الحرس الثوري الإيراني القوة الأكثر تأثيراً في هذا الهيكل، حيث تشير تحليلات معهد سوفران إلى أن السلطة التشغيلية على الجهاز الأمني والعسكري أصبحت أكثر تركيزاً في أيدي شخصيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري والدائرة الداخلية للمرشد السابق. ويدير الحرس الثوري قطاعات رئيسية من الاقتصاد الإيراني، من البناء إلى الطاقة والاتصالات، ويعمل فعلياً كدولة داخل دولة.

وتظهر التقارير وجود خلافات جدية داخل النخبة الحاكمة، خاصة بين الرئيس مسعود بزشكيان والقائد العام للحرس الثوري أحمد وحيدي حول كيفية إدارة الحرب. فقد فرض الحرس الثوري حظراً على تعيينات وقرارات رئاسية، وأقام طوقاً أمنياً حول مركز السلطة، مما أدى إلى تهميش الحكومة فعلياً عن السيطرة التنفيذية وفق إيران إنترناشونال.

ويُعد ملف خلافة المرشد من أكثر الملفات حساسية، حيث يمثل مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، استمرارية وتناقضاً في النظام الثوري. ويربطه خصومه بقمع احتجاجات 2009، ويعتقدون أنه مارس نفوذاً على الإذاعة والتلفزيون الحكومي، بينما يصفه أنصاره بالتقي والمتواضع والخبير في الشؤون الأمنية وفق تحليل ذا كونفرسيشن.

ثانياً: موقف المرشد الحالي من المفاوضات والتسوية السلمية

تتباين التصريحات الصادرة عن دوائر المرشد بشأن المفاوضات، مما يعكس حالة من التناقض التكتيكي. فمن جهة، أكد مستشار لكامنئي أن إيران يمكنها مواصلة الحرب ولا تفاوض مع الولايات المتحدة، قائلاً: ليس لدينا ثقة في الأمريكيين وليس لدينا أساس لأي مفاوضات معهم. ومن جهة أخرى، نقلت مصادر أخرى عن مستشار آخر أن المفاوضات بين طهران وواشنطن يمكن أن تتقدم وتحقق مصالح متبادلة.

ويرى خبراء معهد سوفران أن أي مبادرات دبلوماسية من طهران يجب تفسيرها في ضوء الصراع الداخلي على السلطة الناتج عن الفراغ الذي تركه رحيل علي خامنئي. فالمفاوضات حتى اختيار مرشد دائم ستكون على الأرجح موضعاً تكتيكياً لسد الفترة الانتقالية وليس تحولاً استراتيجياً من طهران.

ويتوقع محللو ذا كونفرسيشن أن يتبنى مجتبى خامنئي أسلوب قيادة أكثر مركزية على الأمن، مما يعني أن أي مفاوضات مع الغرب ستكون تكتيكية وليست تحويلية، وستُصوَّر على أنها ضرورة استراتيجية وليس تحولاً أيديولوجياً.

ثالثاً: سيناريوهات استمرار الحرب حتى يونيو وما بعده

يتوقع الخبراء ثلاثة سيناريوهات رئيسية لاستمرار الصراع:

السيناريو الأول هو استمرار الاستنزاف المُتحكَّم به، حيث تُعاير الضربات لممارسة الضغط دون التصعيد إلى حرب شاملة. ويعتمد هذا السيناريو على قدرة النظام الإيراني العالية على امتصاص الصدمات الخارجية وإعادة توليد التماسك الداخلي تحت الضغط وفق تحليل بوليتيكال سوسايتي.

السيناريو الثاني يتمثل في التصعيد الإقليمي متعدد الجبهات، حيث قد يحاول قادة الجمهورية الإسلامية إقليمية الصراع لزيادة الضغط على واشنطن وشركائها. وتشير تقديرات معهد الشرق الأوسط إلى أن طهران ستبقى في هذه المعركة طالما استطاعت.

أما السيناريو الثالث فيتعلق بالانهيار التدريجي للنظام. ويؤكد ناثان براون أن النظام الإيراني ليس مبنياً حول سلطة فرد واحد، بل يستند إلى بنية مؤسسية معقدة ومتداخلة، مما يعني أن الاقتناع بأن النظام الإيراني يمكن الإطاحة به بسرعة عبر ضربات عسكرية يشكل وهمًا سياسيًا. ومع ذلك، يحذر من أن الحرب قد تدفع النظام إلى مرحلة تآكل تراكمي أو هشاشة منهجية، خاصة إذا تزامنت الضغوط الخارجية مع أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية متصاعدة.

رابعاً: احتمالات استخدام السلاح النووي أو الغزو البري

تُصنف إيران حالياً كقوة نووية على العتبة، تحافظ على غموض استراتيجي حول قدراتها النووية ويمكنها استخدام ذلك كورقة مساومة سياسية وفق تحليل معهد الشرق الأوسط. وفي هذا السيناريو، ستصبح إيران دولة عتبة كاملة، وهو ما يصفه بعض المحللين الإيرانيين باستراتيجية القدرة النووية الكامنة وفق مجلس الشرق الأوسط.

وتحذر تقارير ذا كونفرسيشن من أن المحادثات النووية الإيرانية-الأمريكية قد تفشل بسبب تصادم الخطوط الحمراء لكلا الطرفين. فقد تشعر الإدارة الأمريكية بأن إيران ضعيفة ومستعدة للصفقة، لكن المفاوضات قد تنهار بسبب الخطوط الحمراء المتصلبة.

أما بالنسبة للغزو البري، فيحذر اللواء المتقاعد مارك كيميت من أنه سيكون مهمة خطيرة للغاية. ويشير تحليل العرب سنتر إلى أن غزواً برياً سيتطلب مئات الآلاف من الجنود، ويكلف تريليونات الدولارات على مدى سنوات، وسيواجه تمرداً من المرجح أن يجعله أكثر كلفة من حرب العراق وأفغانستان مجتمعين.

وتعتمد إيران في دفاعها على استراتيجية الفسيفسائية التي تعتمد على اللامركزية كعامل مرونة، مما يعقّد على الأرجح أي خيارات غزو بري أو قتال بري قد تسعى الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى تنفيذها في المستقبل وفق معهد سوفران.

خامساً: هل يمكن أن ينهار النظام؟

تشير تقديرات معهد جيوبوليتيكال ديسباتش إلى أن السجل التاريخي يشير إلى معدل أساسي تقريبي بنحو ستة تغييرات نظامية في القرن، أو حوالي احتمال سنوي بنسبة خمسة إلى ستة في المائة في فترات الأزمات.

ويحذر تقرير معهد هنري جاكسون من أن إيران قد تكون على وشك انهيار النظام، محذراً من أن مثل هذا السقوط قد يؤدي إلى حرب أهلية أو فراغ سلطة يستغله المتطرفون.

لكن خبراء مثل ناثان براون يؤكدون أن البنية المؤسسية المعقدة تمنح النظام الإيراني قدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية والتكيف معها. فاغتيال شخصيات رفيعة أو استهداف بنية تحتية استراتيجية لا يترجم بالضرورة إلى انهيار منهجي.

خاتمة: إيران على مفترق طرق

في ضوء التحليلات المذكورة، يتضح أن الحرس الثوري يمسك بالسلطة التشغيلية فعلياً في إيران، مع وجود فراغ قيادي مؤقت وصراع على خلافة المرشد. وتظهر الانقسامات الداخلية بوضوح بين الرئيس والحرس الثوري، مما يؤثر على قدرة النظام على اتخاذ قرارات موحدة.

أما بشأن المفاوضات، فإن الموقف الرسمي يتسم بالتشدد التكتيكي، حيث تُستخدم المفاوضات كأداة انتقالية وليس كتحول استراتيجي. ومع استمرار الحرب حتى يونيو وما بعده، يبقى سيناريو الاستنزاف المُتحكَّم به هو الأكثر احتمالاً، بينما تظل احتمالات استخدام السلاح النووي محدودة بسبب استراتيجية الغموض التي تتبناها طهران.

وبالنسبة للغزو البري، فإنه غير مرجح بسبب التكلفة الهائلة واستراتيجية الدفاع الفسيفسائي الإيرانية. أما انهيار النظام، فلا يُتوقع على المدى القصير، لكن التآكل التدريجي يبقى احتمالاً قائماً إذا تفاقمت الضغوط الداخلية والخارجية.

ويخلص الخبراء إلى ضرورة تجاوز الثنائية المبسطة بين الانهيار الفوري والبقاء، والتركيز بدلاً من ذلك على ما إذا كانت الحرب ستنتج تآكلاً تدريجياً في القدرة الهيكلية للنظام على الحكم وإعادة إنتاج شرعيته. وفي الوقت نفسه، يجب على صانعي السياسات الدوليين موازنة الضغوط العسكرية مع قنوات دبلوماسية مفتوحة، تجنباً لتصعيد غير محسوب العواقب.

مصادر التقرير:
– معهد سوفران (The Soufan Center)
– بوليتيكال سوسايتي (Political Society)
– معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)
– مجلس الشرق الأوسط (MEC)
– ذا كونفرسيشن (The Conversation)
– إيران إنترناشونال
– ذا ناشونال
– معهد جيوبوليتيكال ديسباتش
– معهد هنري جاكسون

تم إعداد هذا التقرير بناءً على معلومات متاحة حتى أبريل 2026، وقد تتطور الأحداث بسرعة في هذا الملف الديناميكي.