د. ياسر عبد التواب يكتب: العنصرية بين الإسلام والعلمانية (1)
العلمانية نشأت في ظروف وأحداث مختلفة لا تناسب الإسلام ولا حياة المسلمين
- Ali Ahmed
- 19 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات, رأي وتحليلات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
يمكننا النظر إلى مبدأ العلمانية على أنها الفكرة التي تتبناها النظم العالمية الحالية (رغم اختلاف توجهاتها يمينا أو يسارا) كنوع من التوافق بين الأنظمة السياسية الحاكمة وبين الأديان التي يعتنقها أبناء القطر الواحد وأفرز ذلك ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقات بين المجتمع ونظامه الحاكم كي تحافظ على نسيج المجتمعات دون خلافات وتعصبات؛ وتقوم تلك الأنظمة على أساس فصل الأديان عن التدخل في نظم الحياة التي توافق عليها البشر المقيمين على تلك الأرض كنوع من الحياد
وهذا مبدأ نظري تم الوصول إليه بشكل خاص في الغرب -وفي الشرق وضع مشابه حيث كان الإلحاد منافسا للتدين- بعد أحداث مريرة تحكم فيها رجال الدين هناك وحكامها في المجتمع برمته
وكان بين رجال الدين والحكام منافسة وتحكمات وشد وجذب وكانت الأمور غالبا ترجح في كفة رجال الدين نظرا لسلطتهم الروحية ومن ثم فقد عمل رجال الحكم من الملوك والساسة على استرضائهم وكانت الشعوب هي من تدفع ثمن تلك التفاعلات -توافقا او اختلافا- وهو ما كان تمهيدا مجتمعيا للثورات ضد تلك الأنظمة
ومن بعد ذلك توافقت الثورات والحروب الأهلية على عقد اجتماعي جديد أفرز العلمانية كإطار فلسفي تطبيقي يقصي تحكم رجال الدين ويضبط أداء رجال الحكم وفقا لأصول أرضية لا كهنوتية وتبع ذلك إنشاء أدوات الحكم من قوانين ومواثيق ومنظمات تتبنى إشاعة تلك النظم (كالأمم المتحدة ومجلس الأمن حاليا)
وظل تطبيق ذلك في أرض الواقع صعبا للغاية حيث العلمانية نشأت في ظرف عدائي للدين كنتاج لثورات كان رجال الدين طرفا فيها
ويجب ان نلفت النظر هنا إلى أن هذا الصراع ليس له علاقة بالإسلام لا ثقافة ولا واقعا
فالعلمانية نشأت في ظروف وأحداث مختلفة وهي لا تناسب فكر الإسلام ولا تمت لواقع حياة المسلمين؛ رغم توافقه معها في مكافحة التسلط على المجتمعات أيا كان مصدره الإنساني سواء رجال دين أو حكام؛ لكنه يختلف معها في الالتزام بما ثبت من الدين وبالعناية ببث القيم، حيث ينظر للإنسان على نفس وروح وليس كالنظرة المادية الطاغية الحالية
وهذا مفترق طرق كبير بين نظام الإسلام الرباني المنفتح المانع للظلم والمشيع للرقابة الذاتية وللتوجه القيمي وبين النظم العلمانية المادية المنغلقة على التعصب ضد أي دين والذي يتعامل بانتقائية متحيزة ضد الإسلام بشكل خاص
إن دينا يطلب من أتباعه الالتزام بنظام معين في جميع أحوالهم الحياتية من الصعب أن تطلب من أتباعه تجاهل كل المطلوبات العبادية من صلوات وأذكار أو مطلوبات أسرية وتربوية ونظام العائلة بما فيها من متطلبات مختلفة أو مطلوبات في التعامل والمعاملات الشخصية والاجتماعية والمحرمات والواجبات الشخصية أو المالية ونظام في اللباس للرجال وللنساء حتى الدولة لها نظام ولها ثقافة ولها علاقات قائمة على نظام العبودية الربانية والتزام الدين فيه فمستحيل فصم تلك العلاقة
والحقيقة أن من فرضوا العلمانية على الجماعات والدول خالفوا مبادئ العلمانية والتي تفترض الحياد وتجاوزوها إلى فكرة اضطهاد للأديان ومحاربتها باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف، وهذا نوع من العنصرية ولو اتخذت شكلا مخالفا للدين وليس انطلاقا من الدين ولذا لنا أن نتوقع ان تكون تلك العلمانية مرفوضة في دين الإسلام
– يعني هناك عنصرية دينية تفرق بين الناس على أساس انتمائهم للدين (اليهود مثلا في نظرتهم أنهم كلهم شعب الله المختار)
– وعنصرية لا دينية تضطهد الدين نفسه وصورتها الصارخة الدول التي تتبنى الإلحاد كالدول الشيوعية وغالبا الأديان التي لها منهج حياة وليس مجرد فلسفات روحية وهنا تصطدم مباشرة بالإسلام وهذه فكرة العلمانية التي مثلت أساسا لنوع من العنصرية
– (ولفظة العلمانية هي ترجمة غير دقيقة للفظة الإنجليزية (secularism) واللفظة الفرنسية
(sécularisme) وكذلك لفظتي (laicism) الإنجليزية و(laïcisme) الفرنسية، وكلتاهما مشتقة من الكلمة اللاتينية (laicus) التي تعني «الشخص العادي»، وهي بدورها مأخوذة عن اللفظ اليوناني «laós – λαός» ومعناه «الشعب».
غير أن الاستعمال اللاتيني لهذه اللفظة قد تخصص في قسم من «الشعب»، وذلك في مقابل «الكاهن» (clerc)، وهو رجل المعرفة «العالِم» (عوضا عن معنى اللفظ اليوناني «clêros» بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.
فصل الدين عن الدولة
والعلمانية تعني في جانبها السياسي اللادينية في الحكم وفصل الدين عن الدولة، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة «العلم» (SCIENCE) التي اشتُقَّت منها، ومعناها الأقرب إلى الصحة هو «الدنيوية» و«اللادينية»، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل، وحساب المصلحة بعيدا عن الدين.
ويبدو أن الأوائل الذين أدخلوا هذا المفهوم إلى اللغة العربية بدا لهم المصطلح صادما بحمولته هذه التي تلغي الدين من حياة الناس؛ فاختاروا ترجمة تقترب من العِلم وتُيسر انسيابية المفهوم إلى داخل المجتمعات المسلمة.
فمدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وعن حياة المجتمع، وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه؛ فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسيم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما فقط.
ويستخدم في الفضاء الفرنكفوني مصطلح آخر؛ هو اللائيكية (Laïcité). وهو يحمل في طياته معنى خاصا مرتبطا بفرنسا تحديدا. وقد عرَّفَ المفكر الفرنسي «موريس باربييه» (Maurice Barbier) اللائكية في مفهومها الواسع بأنها «الفصل بين الدين والحقائق الدنيوية» (les réalités profanes).)
وحرصت العلمانية على التحكم في كافة المواثيق والقوانين الإنسانية
حتى تلك المواثيق التي وضعوها في المؤسسات للنظام الدولي الجديد (الأمم المتحدة وما يتبعها من مؤسسات ووكالات) وكذلك القوانين الدولية والمحاكم الأممية ومحكمة العدل الدولية وما يشابهها كلها مؤسسات تقوم وتتبنى مفاهيم ومواثيق علمانية تحاول أن تضع نظاما خاصا وتتعمد مخالفة الدين ومعتمدة بشكل أساس على مفاهيم العلمانية التي لا تنتمي للدين والتي صارت حاليا كأنها دين جديد.
وبما أن نظام العلمانية الحالي يقوم على تجاهل الدين وعلى التعامل المادي مع الحياة فإنها وبمعزل عن الانضباط القيمي والعقدي والأخلاقي لم تتمكن من صياغة أية قوانين مستمدة من الأديان التي تذخر بتلك القيم فكان الناتج هو مجموعة من القوانين الجافة التي لا تجد القوى المتنفذة في الدول والنظام العالمي أية غضاضة في مخالفتها فهم بنوا تلك الأصنام من العجوة وهم من يأكلونها حين يريدون.
بل ما يحدث من إبادة جماعية في فلسطين مثلا وفي قتل آلاف الأطفال والنساء أثناء مجازر غزة عام 23/24م والإبادة العنصرية التي قام بها الصهاينة تجعلهم يغضون الطرف ويمتنعون من الإدانة أو العقاب ويقفون عاجزين عن تنفيذ أية أحكام بل حتى عاجزين عن مجرد الإدانة للمجرمين لأنهم يعملون تحت حماية دول متنفذة في العالم كأمريكا وهذه كلها سلوكيات يمكن وصمها بالعنصرية ولو حتى عنصرية «غير متعمدة» أو أنها مفروضة بشكل غير مباشر من خلال النسق العام للنظم المتحكمة.
ولم يكن الأمر بعيدا عن نفس الإشكاليات حين تعلق الأمر بروسيا واعتداءاتها على شعوب بأكملها كسوريا ولا كذلك إيران في تحكمها في دول عن طريق أذرعها وهلم جرا في كل من لديه القوة لتفرض ما تريد.
فتلك كلها نتاجات العلمانية وقوانينها المفتقرة لأي ارتباط رباني أو أية مناهج محايدة حقيقية لوضع النظم ومن ثم لافتقارها لأسس عدالة حقيقة تنظم شؤون البشرية.
نتج عن ذلك التسلط العلماني العاجز عن العدل الحقيقي أمران:
أ- قوانين تجامل المتنفذين وتمنحهم ما يسمونها حقوقا كذلك الحق المعيب المسمى بـ(حق النقض) في مجلس الأمن الذي يضع كافة السلطات والأحكام مشروطة بموافقتهم ولتتسلط عليها الدول الخمس دائمة العضوية فتنفذها او تعطلها متى ارادت.
ب- حتى تطبيق تلك القوانين على ما فيها من خلل أيضا يتحكم فيه المتنفذون وبطريقة انتقائية عبرت عنها مقولة أحد الأمريكان المتعصبين (نحن نضع القوانين لنحكم بها غيرنا كالأفارقة ومن يشبههم وليس لنتحاكم نحن إليها).
نحن كمنهج إسلامي لا نجد في قيمنا ولا في حياتنا الاجتماعية تلك المشاكل المتعلقة بالتغول على الأديان الأخرى والتي اتخذتها العلمانية مبررا لتنحية الدين بالكلية ومن ثم روجت للإلحاد كبديل.
تعال نحدد وجهة النظر الإسلامية لما خالفته العلمانية لنظام الإسلام في العقيدة وفي الحياة لتتضح الصورة:
أ- مخالفة العلمانية لربوبية الله تعالى:
من معاني كلمة (رب) السيادة والملك ومن تمام الملك أن ينفذ حكم (الملك) فيما يملك قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين) الفاتحة/1 أي سيد العالمين ومالكهم وخالقهم ورازقهم، ويقول تعالى بعد وصفه ليوم القيامة (لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار) غافر/16، وكما أن الله تعالى الخلق، فلا ينازعه في ذلك أحد بادعاء الخلق، فإن له كذلك الأمر قال تعالى: (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف (54) فلله الأمر أي الحكم.
والأمر في الشرع يأتي بمعنيين:
1- أمر في تدبير الخلق ورزقهم: وهذا لا ينازع الله فيه أحد كمثل ما قال تعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (السجدة 5)
وكمثل ما قال تعالى (وما تتنزل إلا بأمر ربك) حكاية من الملائكة (مريم جزء من 64) وكمثل قول تعالى (وكان أمر الله مفعولا) الأحزاب جزء من 37، (وكان أمر الله قدرا مقدورا) الأحزاب جزء من (38).
كمثل قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) يس (82)
الأمر الشرعي: أي ما يأمر الله به عبادة من الحلال والحرام وسائر الشرائع وذاك الذي تنازع فيه العلمانية وكل من اتخذ إليها بعده من دون الله لذا فقد قال تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان.
مبين إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) [هود 96-97] فنازع فرعون في الحكم الشرعي وما أتاهم بأمر رشيد، وكمثل ما حكى الله تعالى في القرآن عن قوم صالح (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم) الأعراف (77)
وكمثل ما كره المنافقون التكاليف الشرعية
(حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون) التوبة (48)
وقد قال تعالى عن اليهود والنصارى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) التوبة (31) وجاء عدى بن حاتم وكان نصرانيا وقال رسول الله (إنا لسنا نعبدهم فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» (وما أشبه الليلة بالبارحة فكما كره هؤلاء التزام حكم الله، وامتثال أوامره وبدلوها واتبعوا بذلك أهواءهم وما تشتهى أنفسهم جريا وراء مصالحهم ومجاراة لنظمهم؛ فإن العلمانية وأتباعها يفعلون الشيء نفسه.
ب- مخالفة العلمانية لمفهوم ألوهية الله:
فعنى الإله: المعبود
والألوهية: العبودية
قد جاء الأنبياء جميعا لأقوامهم بقول واحد (اعبدوا الله مالكم من إله غيره) الأعراف جزء من 85
وقد تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة/ (5)
وفى الحديث المتفق عليه من معاذ رضى الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» متفق عليه.
فالعبادة هي حق الله على خلقه والمطلوب فيها أن يؤدى العبد ما أمره الله تعالى مستحضرا كمال الحب مع كمال الذل والخضوع لله.
فيؤدى الشعائر التعبدية من الصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر وغير ذلك: لله تعالى، كمثل ما أمر الله من غير زيادة ولا نقصان مع كمال الحب وكمال الذل، وكذلك يفرد الله بكمال الخضوع لأمره ونهيه؛ واتباعه فيما أحل وحرم فإن أمر بجهاد جاهد أو أمر بمعاداة الكفار والتبرؤ منهم فعل أو أمرت المرأة بحجاب امتثلت
وإن نهى المسلم عن الربا والزنا والسرقة والفواحش بادر بالترك. وكل هذا من كمال العبودية لله.
والعلمانية لا تفعل ذلك بل هي (حكم الشعب) فما رآه الشعب حسنا فعلوا، إلا تركوه وراءهم من غير نظر لكون ذلك من أمر الله أم من غيره والشعب في أغلبه تابع لكل ناعق، فأنى له أمر يهدى إلى هدى؟ قال الشاعر:
أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم::: قد ضل من كانت العميان تهديه
قال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [الأنعام 161]
فالانقياد لله عز وجل والتزام طاعته هو أحد ركني العبادة، فمن زعم حب الله وتصديقه ولكنه رفض الطاعة له والانقياد لأمره، واختار لنفسه طريقا آخر مضادا للصراط المستقيم الذي شرعه الله وأمر بأتباعه، واتخذ ذلك منهجا ثابتا وديدنا مضطردا يوالي عليه ويعادي عليه، فقد ضاد الله في أمره وجعل نفسه ندا للذي خلقه.
وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير قال: (خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) جزء من آية 121 الأنعام
قال ابن كثير: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم غيره عليه فهذا هو الشرك).
يُتبع
