خلافة الأمين العام بين طموحات “المرأة” وفيتو الكبار

من يكون الأمين العام العاشر للأمم المتحدة؟

تستعد منظمة الأمم المتحدة لدخول مرحلة حاسمة مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، المقررة في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026، في ظل ترقب دولي واسع لمسار الاستحقاق المقبل وتداعياته على الملفات الإقليمية والدولية.

وبدأت رسميا في الخامس والعشرين من نوفمبر 2025 عملية اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة، والذي سيحل محل غوتيريش اعتبارا من الأول من يناير 2027، وفق رسالة مشتركة وجهها مجلس الأمن والجمعية العامة إلى الدول الأعضاء.

قائمة المرشحين الرسميين وسيرهم الذاتية

ميشيل باشليت – تشيلي
تُعد الرئيسة السابقة لتشيلي ميشيل باشليت من أبرز الأسماء المرشحة، حيث تمتلك سجلا سياسيا ودبلوماسيا حافلا يشمل رئاستها لتشيلي لفترتين بين عامي 2006 و2018، وتوليها منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بين 2018 و2022، بالإضافة إلى قيادتها لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بين 2010 و2013.

وقد رشحت باشليت رسميا في الثاني من فبراير 2026 بدعم من البرازيل والمكسيك، قبل أن تعلن الحكومة التشيلية الجديدة انسحاب دعمها لترشيحها في الرابع والعشرين من مارس 2026، ما أضعف حظوظها نسبيا في السباق.

رافاييل غروسي – الأرجنتين
يُرشح الأرجنتيني رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 2019، لخلافة غوتيريش، حيث يملك خبرة دبلوماسية واسعة تشمل منصب سفير الأرجنتين لدى النمسا بين 2013 و2019.

وقد تم ترشيح غروسي رسميا في الثاني والعشرين من ديسمبر 2025 بدعم من الأرجنتين وإيطاليا وباراغواي، مما يعكس زخما دبلوماسيا إقليميا ودوليا لترشيحه.

ريبيكا غرينسبان – كوستاريكا
تمثل الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية منذ 2021، خيارا نسائيا قويا في السباق، حيث شغلت سابقا منصب نائبة ثانية لرئيس كوستاريكا بين 1994 و1998، وقادت الأمانة العامة الإيبيرية الأمريكية بين 2014 و2021.

وقد رُشحت غرينسبان رسميا في الثالث من مارس 2026 من قبل بلدها كوستاريكا، في خطوة تعكس التوجه الدولي نحو تعزيز القيادة النسائية في المناصب الأممية العليا.

 ماكي سال – السنغال
يُرشح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، الذي تولى رئاسة بلاده بين 2012 و2024، لخلافة غوتيريش، حيث يملك خبرة إقليمية واسعة تشمل رئاسته للاتحاد الأفريقي بين 2022 و2023، وتوليه منصب رئيس وزراء السنغال بين 2004 و2007.

وقد رُشح سال رسميا في الثاني من مارس 2026 من قبل بوروندي، ممثلا للمجموعة الأفريقية في السباق الأممي.

فيرجينيا غامبا – الأرجنتين – مرشحة سحبت ترشيحها
كانت الأرجنتينية فيرجينيا غامبا، الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، قد رُشحت في الحادي عشر من مارس 2026 من قبل جزر المالديف، لكنها سحبت ترشيحها في الخامس والعشرين من مارس 2026 لأسباب لم تُعلن رسميا

مرشحون أعربوا عن اهتمامهم دون ترشيح رسمي

أعرب عدد من الشخصيات الدولية عن اهتمامهم بالمنصب دون تقديم ترشيحات رسمية، من بينهم رئيسة نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، ووزيرة الخارجية المكسيكية السابقة أليسيا بارثينا، والرئيسة السابقة للجمعية العامة ماريا فرناندا إسبينوسا من الإكوادور، بالإضافة إلى مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا من بلغاريا.

كما يُذكر اسم رئيسة وزراء بربادوس ميا موتلي، ورئيس وزراء أستراليا السابق كيفن رود، والأمين العام المساعد للأمم المتحدة أمينة محمد من نيجيريا ضمن الأسماء المتداولة إعلاميا.

عملية الاختيار وآلياتها

تتم عملية اختيار الأمين العام وفق آلية معقدة تبدأ بتقديم الترشيحات من الدول الأعضاء، تليها مشاورات غير رسمية في مجلس الأمن، ثم تصويت سري لتحديد المرشح الذي يحصل على تأييد تسعة أعضاء على الأقل دون استخدام حق النقض من قبل أي من الأعضاء الدائمين الخمسة: الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين وفرنسا.

وبمجرد توافق مجلس الأمن على مرشح، تُرفع التوصية إلى الجمعية العامة المكونة من 193 دولة للتصويت النهائي، حيث يُنتخب الأمين العام لولاية مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وتشترط الأمم المتحدة على المرشحين تقديم بيان يحدد رؤيتهم للمنظمة ويكشف مصادر تمويل حملاتهم، كما يُطلب من الموظفين الحاليين في المنظمة النظر في تعليق عضويتهم أثناء الترشح لضمان الحياد.

تحليلات سياسية حول فرص المرشحين

يرى المحللون أن التوازن الإقليمي يمثل عاملا حاسما في عملية الاختيار، حيث لم تتول أي امرأة منصب الأمين العام في تاريخ الأمم المتحدة الممتد لأكثر من ثمانين عاما، ما يخلق ضغطا دوليا نحو كسر هذا التقليد.

ويقول عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن نهاية ولاية غوتيريش تُسدل الستار على مرحلة اتسمت بكثافة الاستحقاقات الدولية وتعدد الأزمات العابرة للحدود، مشيرا إلى أن الأمين العام حرص على منح الأبعاد التنموية مكانة مركزية في تدبير النزاعات الدولية.

ويضيف البلعمشي أن المرحلة الراهنة تكشف محدودية القانون الدولي في سياق التعقيدات المتزايدة داخل منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما في ظل اختلاف توازنات مجلس الأمن مقارنة بما كانت عليه بعد نهاية الحرب الباردة.

من جهته، يؤكد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة أفريقيا ووتش، أن التغيير المرتقب في قيادة المنظمة الأممية يشكل فرصة فريدة لدفع مسار التسوية السياسية في النزاعات الدولية نحو أفق أكثر وضوحا، شريطة تبني القيادة الجديدة نهجا دبلوماسيا متسقا يقوم على التوازن بين المصالح الإقليمية وتوجهات القوى الكبرى.

التحديات التي تنتظر الأمين العام الجديد

تواجه المنظمة الأممية تحديات غير مسبوقة تنتظر من سيخلف غوتيريش، من بينها الأزمات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، وتداعيات تغير المناخ والهجرة غير النظامية، وتنامي المطالبة بالإصلاح الهيكلي داخل الأمم المتحدة.

ويشير تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في نيويورك إلى أن الطريق ما زال طويلا لتحقيق أهداف الإصلاح الأممي، والعامل الحاسم في المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة القيادة الجديدة على إدارة الضغوط متعددة الأطراف دون التفريط في الدور المعياري والواسطي للمنظمة.

كما تبرز قضية إعادة هيكلة مجلس الأمن وتوسيع عضويته الدائمة ضمن أولويات المرحلة المقبلة، حيث تتصاعد مطالب دول مثل اليابان وألمانيا والهند ودول أفريقية بتمثيل أفضل يعكس الواقع الدولي المعاصر.

البعد الرمزي لاختيار امرأة

يكتسي الاستحقاق القادم بعدا رمزيا خاصا بالنظر إلى الضغط الدولي المتزايد لاختيار أول امرأة تتولى قيادة المنظمة الأممية في تاريخها، حيث تعكس ترشيحات باشليت وغرينسبان هذا الزخم، في وقت يواصل المجتمع الدولي التأكيد على أهمية القيادة النسائية في تعزيز الأبعاد الإنسانية والتنموية للعمل الأممي.

وتقول صحيفة كوميرسانت الفرنسية إن هناك إجماعا متناميا داخل أروقة الأمم المتحدة على ضرورة كسر حاجز الذكورية في المنصب، خاصة أن المرأة تشكل أكثر من نصف سكان العالم وتلعب أدوارا محورية في صنع السلام والتنمية المستدامة.

المحصلة.. يبقى سباق خلافة الأمين العام للأمم المتحدة مفتوحا على جميع الاحتمالات حتى اللحظة الأخيرة، حيث تلعب اعتبارات التوازن الإقليمي والخبرة الدبلوماسية والقدرة على إدارة الأزمات أدوارا حاسمة في ترجيح كفة مرشح على آخر.

وفي ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة، ستكون مهمة الأمين العام الجديد شاقة وتتطلب شخصية قادرة على الجمع بين الحزم والدبلوماسية، والحياد والفعالية، لضمان استمرار الأمم المتحدة في أداء دورها كمنصة للحوار الدولي وحل النزاعات بالوسائل السلمية.

وستظل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد هوية القائد الجديد للمنظمة الأممية، الذي سيواجه تحديات غير مسبوقة في عالم يتسم بالتغير السريع وعدم اليقين.


مصادر التقرير :
– هسبريس المغربية (27 نوفمبر 2025)
– موسوعة ويكيبيديا – اختيار أمين عام الأمم المتحدة 2026
– الجزيرة نت (26 نوفمبر 2025)
– الأمم المتحدة – عملية اختيار الأمين العام
– مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
– وكالة الصحافة الفرنسية (نوفمبر 2025)