خلافات حادة بين أوروبا وواشنطن بشأن غزة

ما يعكس تباعد الرؤى

انطلقت فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن وسط أجواء توتر واضحة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي حول مستقبل قطاع غزة. الخلافات لم تقتصر على الجوانب الفنية، بل اتخذت طابعًا سياسيًا يعكس تباعد الرؤى بين واشنطن وبروكسل بشأن إدارة الملف الفلسطيني بعد الحرب المستمرة.

في قلب هذا الصدام، جاء مجلس السلام الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترمب، محل انتقاد حاد من المسؤولين الأوروبيين. كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي،

أكدت أن المجلس أصبح أداة شخصية لإدارة الملف الفلسطيني خارج إطار الأمم المتحدة، مشيرة إلى غياب أي إشارة واضحة إلى غزة أو مشاركة فلسطينية في النظام الأساسي للمجلس، خلافًا لقرار مجلس الأمن الدولي الأصلي.

وجهة نظر الولايات المتحدة

من الجانب الأمريكي، رفض السفير لدى الأمم المتحدة مايك والتز هذه الانتقادات، مؤكدًا أن التردد الأوروبي يعيق إنهاء الحرب المستمرة في غزة. وأوضح أن الوضع الراهن يمثل حربًا بلا نهاية، وأن الإدارة الأمريكية تسعى للخروج من هذا المأزق عبر نهج متعدد الأطراف.

كما أعلن التز عن موافقة إندونيسيا على نشر 8 آلاف جندي ضمن قوة الاستقرار الدولية في غزة، مع توقع مشاركة دول أخرى في الأسابيع المقبلة، في خطوة تهدف إلى تقديم حلول عملية لوقف إطلاق النار واستقرار القطاع.

التحفظات الأوروبية وآراء الخبراء

الخبراء الأوروبيون يرون أن مجلس السلام قد يكون أداة أمريكية “خارج النص” الأممي، ما يثير شكوكًا حول فعاليته وشفافيته.

وأشار فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، إلى ضرورة إعادة تقييم العلاقات عبر الأطلسي وتعزيز قدرة أوروبا على الاعتماد على نفسها في إدارة النزاعات الدولية، مع الحفاظ على التعاون داخل حلف الناتو.

المحللون المستقلون يوضحون أن الخلاف يعكس أزمة ثقة بين أوروبا والولايات المتحدة في كيفية إدارة النزاعات المعقدة، خصوصًا في الشرق الأوسط، وأن نجاح المجلس يعتمد على توافق دولي أوسع يشمل شركاء فلسطينيين وعربًا.

الموقف الفلسطيني

على الأرض، عبر القيادي مصطفى البرغوثي عن قلقه من فقدان مصداقية المناقشات إذا تم تجاوز الأمم المتحدة أو تجاهل مشاركة الفلسطينيين. وأشار إلى أن الضفة الغربية مفتوحة للاستيطان، وأن اتفاقية أوسلو وحل الدولتين يواجهان انتكاسات خطيرة.

في المقابل، ركّز الممثل السامي لغزة نيكولاي ملادينوف على إدخال المساعدات الإنسانية، نزع السلاح من الفصائل، وإنهاء تقسيم القطاع، محاولًا تجنب الدخول في الجدل السياسي المحتدم.

التحديات والتوقعات المستقبلية

خبراء التحليل السياسي يتوقعون استمرار الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة حول منهج إدارة غزة، وليس فقط حول التفاصيل الإجرائية.

من المرجح أن تستمر أوروبا في تعزيز قدراتها الدفاعية والسياسية لتقليل الاعتماد الكلي على واشنطن، مع إبقاء قنوات التعاون مفتوحة.

أما على صعيد العملية الإنسانية، فقد ينجح مجلس السلام الأمريكي في تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، ليصبح نموذجًا جديدًا لإدارة الأزمات، بينما قد يؤدي فشله إلى مزيد من تدخل الأمم المتحدة والدول الأوروبية لضمان استقرار غزة.

ما يحدث في ميونخ يعكس أزمة أوسع في النظام الدولي اليوم، ليس فقط في إدارة الحروب، بل في كيفية صياغة الحلول ضمن إطار الشرعية الدولية. الصراع حول مستقبل غزة أصبح اختبارًا حقيقيًا لدور الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة في إعادة تعريف أسس صنع السلام في الشرق الأوسط.