خطة ترامب بين الرفض الإسرائيلي والضغط العربي.. إلى أين تتجه غزة؟

بعدما انتقل الخلاف من التفاوض إلى مواجهة سياسية

دخلت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة مرحلة اختبار حاسمة، بعدما انتقل الخلاف من تفاصيل التفاوض إلى مواجهة سياسية واضحة بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية.

وفي أحدث تطور، أدانت ثماني دول عربية وإسلامية، هي مصر وقطر والسعودية والإمارات والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، رفض إسرائيل خارطة الطريق الأمريكية، ودعت الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغط مباشر لضمان تنفيذها.

وجاء التحرك الإقليمي بالتزامن مع وصول جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف إلى القاهرة، حيث عقدا اجتماعات مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، بمشاركة ممثلين عن حركة حماس في بعض اللقاءات. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تستهدف الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، التي تقوم على وقف العمليات العسكرية، ونزع سلاح حماس تدريجياً، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإقامة إدارة فلسطينية مدنية جديدة تتولى إدارة القطاع وإعادة إعماره.

نتنياهو أمام معادلة صعبة

المعضلة الأساسية تتمثل في ترتيب الخطوات. فإسرائيل تقول إنها لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في غزة قبل التأكد من نزع سلاح حماس بالكامل، بينما تقوم خارطة الطريق على عملية متبادلة وتدريجية: خطوات موثقة لنزع السلاح يقابلها انسحاب إسرائيلي على مراحل.

ويرى محللون أن هذا الخلاف ليس تقنياً فقط، بل يرتبط بمستقبل الأمن الإسرائيلي وبقاء حكومة بنيامين نتنياهو. فقد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي الخطة علناً، مؤكداً أن الانسحاب لن يتم قبل نزع سلاح حماس بالكامل، في موقف يتعارض مع التصور الأمريكي للانسحاب المرحلي.

وتشير تحليلات إسرائيلية وأمريكية إلى أن نتنياهو يتحرك بين ضغطين: الأول يأتي من ترامب الذي يريد تحقيق اختراق في غزة، والثاني من حلفائه اليمينيين الذين يرفضون أي تسوية يرون أنها تمنح حماس فرصة للبقاء أو تعيد السلطة الفلسطينية إلى القطاع.

ويأتي ذلك قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو عامل يرى محللون أنه يزيد حساسية نتنياهو تجاه أي تنازل يمكن أن يفسره خصومه السياسيون باعتباره تراجعاً أمنياً. وقد ربطت تحليلات حديثة بين موقفه المتشدد والضغوط السياسية الداخلية التي يواجهها.

لماذا تتمسك واشنطن بالخطة؟

بالنسبة إلى إدارة ترامب، تبدو الخطة أكبر من مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار. فهي محاولة لبناء ترتيب سياسي وأمني جديد في غزة، يربط بين نزع سلاح الفصائل، وانسحاب إسرائيل، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ثم إعادة الإعمار بمشاركة دولية.

وتتضمن الخطة أيضاً إنشاء قوة استقرار دولية للمساعدة في تثبيت الوضع الأمني وتدريب قوات الشرطة والمساهمة في إدارة المرحلة الانتقالية. لكن هذه القوة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بعدد الدول المستعدة للمشاركة وطبيعة مهمتها وتوقيت انتشارها.

وهنا تظهر أهمية كوشنر وملادينوف. فإرسال مبعوثين إلى القاهرة ثم إسرائيل يعني أن واشنطن لا تتعامل مع الرفض الإسرائيلي باعتباره نهاية للخطة، وإنما عقبة تحتاج إلى إعادة تفاوض بشأن آليات تنفيذها.

وقد أكد مسؤول في مجلس السلام أن الخطة لا تزال قائمة وتتقدم بصورة مرحلية، رغم اعتراض نتنياهو على الانسحاب قبل نزع سلاح حماس.

موقف حماس.. تنازل مشروط

المفارقة الأساسية أن حماس أبدت استعداداً للمضي في خارطة الطريق، لكنها تربط التنفيذ بالتزامات إسرائيلية، أبرزها وقف الهجمات والانسحاب وتوفير ضمانات لتنفيذ الاتفاق.

وهذا يجعل موقف الحركة مختلفاً عن الموقف الإسرائيلي في نقطة جوهرية: حماس تريد أن يكون نزع السلاح جزءاً من عملية متبادلة، بينما تطالب إسرائيل بنزع السلاح أولاً ثم الانسحاب.

ويرى تحليل نشره معهد واشنطن أن قبول حماس للخارطة يمثل تحولاً سياسياً مهماً، لكنه لا يعني أن الاتفاق أصبح قابلاً للتنفيذ تلقائياً؛ إذ تبقى آليات التحقق وتسلسل الخطوات وضمانات الالتزام المتبادل هي العقدة الأساسية.

أما صحيفة «لوموند» فاعتبرت استعداد حماس المبدئي لنزع السلاح تحولاً لافتاً، لكنها حذرت من أن غياب التزام إسرائيلي متبادل وأفق سياسي أوسع للفلسطينيين يمكن أن يعرقل العملية برمتها.

الخبراء: العقدة في «التسلسل»

يقول مركز إسرائيل للسياسات إن خارطة الطريق توفر، من حيث المبدأ، مساراً للخروج من الحرب عبر نزع سلاح حماس بصورة يمكن التحقق منها، وانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتقال الإدارة إلى حكم مدني فلسطيني، لكنه يرى أن الخطة ليست بعد اتفاقاً قابلاً للتنفيذ بالكامل.

ويحدد المركز المشكلة الأساسية في «التسلسل والتحقق»: أي طرف يبدأ أولاً؟ ومن يقرر أن الطرف الآخر نفذ التزاماته؟ ومن يتدخل إذا حدث خرق؟ ولذلك فإن نجاح الخطة يحتاج إلى تعريفات دقيقة، ومراقبة مستقلة، وآلية واضحة لحل النزاعات.

ويبرز هنا أيضاً رأي نيكولاي ملادينوف نفسه، الذي وصف في وقت سابق مرحلة تنفيذ الخطة بأنها دخلت «المرحلة الصعبة»، وهو توصيف يعكس طبيعة الانتقال من صياغة المبادئ إلى تنفيذها على الأرض.

أما المحلل الإسرائيلي دان أربيل، فقد تناول رفض نتنياهو باعتباره مرتبطاً أساساً بالخلاف حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي وآليات نزع سلاح حماس، وهو ما يعكس أن نقطة الانسحاب تظل أكثر الملفات حساسية في المفاوضات.

ضغط عربي وإسلامي غير مسبوق

البيان الذي أصدرته الدول الثماني يمثل رسالة سياسية مهمة لواشنطن وتل أبيب معاً. فالدول الموقعة لم تكتفِ بالتعبير عن القلق، بل طالبت الولايات المتحدة تحديداً باستخدام نفوذها لإلزام إسرائيل بتنفيذ الترتيبات.

كما أعاد البيان التأكيد على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وتكمن أهمية هذا الموقف في أن الدول المشاركة ليست كتلة سياسية واحدة فقط، بل تضم مصر وقطر، وهما من أبرز الوسطاء في ملف غزة، والسعودية والإمارات والأردن، إلى جانب تركيا وباكستان وإندونيسيا.

وبذلك تحاول هذه الدول منع انهيار المسار الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه تضع واشنطن أمام مسؤولية أكبر: إذا كانت الولايات المتحدة هي الراعي الرئيسي للخطة، فعليها إقناع إسرائيل بالالتزام بها.

ماذا لو استمر الرفض الإسرائيلي؟

السيناريو الأول هو تعديل الخطة. وقد يكون هذا الخيار الأكثر واقعية على المدى القريب. فمن غير المرجح أن تتخلى واشنطن بسهولة عن شرط نزع سلاح حماس، لكن يمكنها إعادة صياغة توقيته وآليات التحقق منه بما يسمح ببدء انسحاب إسرائيلي محدود بالتوازي مع خطوات ملموسة لنزع السلاح.

السيناريو الثاني هو تجميد الخطة دون انهيارها. وهذا يعني استمرار المفاوضات، مع بقاء وقف إطلاق النار هشاً، وعودة الغارات عند حدوث أزمات أمنية. وتشير التطورات الحالية إلى أن هذا الخطر قائم بالفعل، إذ استمرت إسرائيل في تنفيذ ضربات داخل القطاع رغم المسار الدبلوماسي.

أما السيناريو الثالث فهو انهيار المسار وعودة التصعيد. وفي هذه الحالة ستكون الخسارة السياسية كبيرة لترامب، الذي يسعى إلى تقديم خطته باعتبارها إطاراً لإنهاء الحرب وليس مجرد هدنة مؤقتة.

التوقعات: تسوية مؤجلة لا اتفاق سريع

المؤشرات الحالية لا توحي بتوقيع اتفاق شامل في وقت قريب، لكنها في المقابل لا تشير إلى انهيار نهائي للخطة.

الأرجح أن تتجه واشنطن إلى صيغة وسط تقوم على تنفيذ متزامن ومراقب: وقف الغارات، ثم خطوات محددة لنزع السلاح، يقابلها انسحاب إسرائيلي تدريجي، مع إدخال قوة دولية وإدارة فلسطينية تكنوقراطية إلى القطاع.

العقبة الأكبر ستظل سؤالاً واحداً: من يضمن أن السلاح نُزع بالفعل ومن يضمن أن إسرائيل ستنسحب بعد ذلك؟

إذا تمكنت واشنطن ومصر وقطر وتركيا من بناء آلية تحقق مقبولة للطرفين، فقد تتحول الخطة إلى مسار واقعي لإنهاء الحرب. أما إذا بقي كل طرف متمسكاً بشرط «التنفيذ أولاً ثم التنازل»، فإن الخطة ستظل عالقة بين الورق والميدان.

وفي النهاية، فإن دخول الدول العربية والإسلامية على خط المواجهة الدبلوماسية، ووصول كوشنر وملادينوف إلى القاهرة، ولقاء مسؤولين أمريكيين بحماس في الوقت نفسه الذي تستعد فيه واشنطن للضغط على نتنياهو، كلها مؤشرات على أن المعركة المقبلة في غزة قد لا تكون عسكرية فقط، بل معركة على ترتيب ما بعد الحرب ومن يملك مفاتيح مستقبل القطاع.

اترك تعليقا