خبراء: الاقتصاد المصري لم يتعافى بعد

سياسات صندوق النقد فشلت وتصريحات رئيس الوزراء للاستهلاك المحلي

تباينت آراء خبراء اقتصاديين حول تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بشأن تجاوز مصر للأزمة الاقتصادية، وطُرحت تساؤلات تدور حول كيفية انتهاء الأزمة الاقتصادية.

فبينما مازال المواطن يشعر بغلاء الأسعار ونسب التضخم العالية، رأى آخرون أن تصريحات مدبولي تتوافق مع تقارير دولية تشير إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد المصري.

تصريحات رئيس الوزراء المصري جاءت خلال اجتماع مع عدد من المسؤولين ورجال الصناعة والمستوردين قبل أيام، أكّد خلالها أن الحكومة سوف تعقد خلال الأيام المقبلة سلسلة من الاجتماعات مع مسؤولي الغرف التجارية، وكبار المستوردين والمصنعين، لمتابعة جهود خفض الأسعار قائلاً: “يتعين أن نوفر الأسباب التي تدفع نحو مسار نزولي للأسعار، فكما زادت الأسعار في فترات سابقة نظراً لتحديات واجهناها، يجب أن تنخفض الآن”.

وأوضح مدبولي أن تسعير الدولار وقت الأزمة الاقتصادية كان يتم على أساس سعر السوق السوداء، كما أن المصانع لم تكن قادرة على العمل بكامل طاقتها بسبب نقص المعروض وندرة المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، وهي تحديات تمكنت الدولة من التغلب عليها.

ويرى مراقبون أن تصريحات رئيس الوزراء المصري تستند إلى بعض التقارير التي تؤكد تحسن عدد من مؤشرات الأداء الاقتصادي.

ففي أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي بعنوان “آفاق الاقتصاد العالمي”، كشف الصندوق عن تفاؤل “حذر” بشأن تعافي الاقتصاد المصري، متوقعاً نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4 في المئة في السنة المالية 2024-2025 يليه ارتفاع طفيف إلى 4.1 في المئة خلال 2025-2026.

وأشار صندوق النقد الدولي في التقرير الأخير إلى استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، حيث تظل معدلات التضخم مرتفعة عند 20.4 في المئة في 2024-2025، مع توقعات بانخفاضها إلى 11.4 في المئة في 2025-2026.

وأوضح التقرير أن الاقتصاد المصري يستفيد من برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار، وقّع في مارس/آذار 2024، إلى جانب استثمارات أجنبية كبيرة مثل صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار مع صندوق الثروة السيادي الإماراتي.

الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رأى أن تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي بشأن انفراج الأزمة الاقتصادية هي للاستهلاك المحلي، ولتهدئة مخاوف المصريين في ظل استمرار حالة الخوف من انهيار الاقتصاد وارتفاع الأسعار بصورة مبالغ فيها.

ويوضح رشاد عبده أن الأزمة الاقتصادية في مصر لم تتحسن، والدليل على ذلك أن معدلات الأسعار مازالت عالية، مشيرًا إلى استمرار انخفاض دخل قناة السويس بسبب الاضطرابات الإقليمية، وعدم عودة معدلات تحويلات المصريين في الخارج كما كانت في السابق قبل اندلاع الأزمات الإقليمية، واستمرار فاتورة الاستيراد الكبيرة مع قلة الصادرات المصرية إلى الخارج. حسبما نقلت عنه شبكة “بي بي سي”.

ومنذ أيام قليلة، كشف الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس عن فقدان حركة الملاحة في القناة أكثر من 50 في المئة من أعداد السفن منذ بدء الهجمات على السفن في البحر الأحمر، موضحاً تراجع عائدات رسوم المرور في القناة بحدة، من 10 مليارات دولار عام 2023 إلى 4 مليارات دولار عام 2024 بنسبة انخفاض 60 في المئة.

ويقول رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية إن تصريحات صندوق النقد الدولي بشأن تحسّن معدلات الاقتصاد الكلي في مصر هي مجرد “حملات دعائية” من جانب مسؤولي الصندوق، وذلك بمناسبة قرب انتهاء مدة العشر سنوات لبرنامج إعادة هيكلة الاقتصاد المصري الذي اتفقت عليه مع الحكومة المصرية، “بمعنى أن الصندوق لا يريد أن يقول إنّ سياساته أسهمت في فشل الاقتصاد المصري وتراجع معدلاته، لأن هناك دولاً أخرى تنظر إلى التجربة المصرية وتتخذ قرارات بناءً على نتائج التعاون مع الصندوق”.

وفيما يتعلق بانخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري مؤخراً، يقول رشاد عبده إن سعر صرف الجنيه أمام الدولار لم يتحسن كما يروّج له، لأن نسبة الهبوط قليلة جداً، ويجب إرجاعها إلى السعر المتداول وهي لا تتجاوز 1 في المئة من القيمة الإجمالية، والجنيه المصري يتأثر بأي اضطرابات خارجية، ومن الوارد جداً أن يُعَاوِد الارتفاع، والفيصل في هذا الأمر هو توفر الدولار داخل البنوك للمستوردين والمصنعين، وحتى المواطنين العاديين.

ويوضح رشاد عبده أن هذا التحسن هو تحسن نسبي “مؤقت” لا يُمْكِنُ القياس عليه، ولن يستمر طويلاً، لأن الحكومة المصرية اتفقت مع صندوق النقد الدولي على مرونة سعر الصرف، وعدم التحكم فيه، وتركه عرضة لقوى العرض والطلب التي يتدخل فيها عناصر وسياسات أخرى خارجة عن سيطرة الحكومة المصرية.

“لو كانت الأزمة الاقتصادية قد انفرجت، فما الداعي لأن تطلب الحكومة المصرية من صندوق النقد الدولي تأجيل المراجعة الخامسة وإدماجها مع المراجعة السادسة لبرنامج الحكومة المصرية مع الصندوق؟ ولماذا تتحدث الحكومة عن تأجيل رفع شرائح الكهرباء والغاز المياه وغيرها إلى شهر أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وموجات الحرّ وفق تصريحات المسؤولين؟”

هذا التساؤل يطرحه أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب حيث يقول: “لو كانت الظروف الاقتصادية قد تحسّنت، فكان من باب أولى الحديث عن إلغاء هذه الزيادات من الأساس وليس تأجيلها”.

وبالنسبة لمعدلات التضخم، يقول عبد النبي عبد المطلب إن هذا التراجع لا يعكس تحسناً حقيقياً، فما زلنا نتحدث عن معدل تضخم بنحو 15 في المئة وهو رقم ثنائي، ويعتبر معدلاً كبيراً قياساً على سعر الفائدة الذي مازال كبيراً أيضاً في حدود 20 في المئة، مشيراً إلى أنه من المفترض أن تكون الفجوة بين الاثنين ضيقة جداً في حدود 1 في المئة أو 2 في المئة على حد قوله.

وفيما يتعلق بتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات قطاع السياحة، يقول الخبير الاقتصادي عبد المطلب إن هذه الأمور تدخل في إطار الدخل “الريعي الموسمي” وهي عناصر غير مستقرة أو مُسْتَدَامَة، ولا يمكن التعويل عليها في إطار مؤشرات الاقتصاد الكلي، وهي تشير إلى “انتعاش الاقتصاد” ولكنها ليست دليلاً على “تحسن الاقتصاد” أو انتهاء الأزمة الاقتصادية وفق قوله.

ويوضح عبد النبي عبد المطلب، أنه “عندما تستقر الأسعار ويشعر المواطن المصري بأن دخله متناسب مع احتياجاته، يمكن هنا الحديث عن انتهاء الأزمة الاقتصادية، ولكن كيف يمكن الحديث عن هذا الأمر، وما زالت الحكومة عاجزة عن الإعلان بشكل واضح عن خطة لأسعار الفائدة أو المحروقات والكهرباء لمدة سنة كاملة؟” ويطالب عبد النبي بوجود خطة حكومية واضحة للسيطرة على معدلات التضخم وسعر الفائدة، والسيطرة على انفلات سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية.

الصحفية الاقتصادية والإعلامية المصرية لميس الحديدي تحدثت عبر صفحتها الموثقة على موقع “إكس” منتقدة تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة حول انتهاء الأزمة الاقتصادية، مشيرة إلى عدم وجود دراسات واضحة تشير إلى هذا الأمر مثل بحث الدخل والإنفاق الذي كان يصدر عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء الذي لم يصدر حتى الآن.

وتشير الحديدي إلى أن هذا البحث كان يرصد على أساس سنوي معدلات الفقر في مصر ومتوسط دخل الأسر المصرية وتطور مستوى معيشتها.

وتقول لميس الحديدي في منشورها عبر منصة “إكس” إن آخر نتائج لهذا البحث أعلنت في 2020، وأشارت إلى أن معدل الفقر 29.7 في المئة، مشيرة إلى أن البنك الدولي ذكر في عام 2022 أن هذا الرقم ارتفع إلى 32.5 في المئة، موضحةً أن الدولة المصرية ظلت طوال 5 سنوات كاملة بدون أرقام رسمية أو مؤشرات حول معدلات الفقر، رغم جائحة كورونا، ومعدلات التضخم، والتعويمات المتتالية للجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى.